مساهمة⎜تحديّات الانتقال الطاقوي في البلدان المُعتمدة على النفط : حالة الجزائر

مساهمة⎜تحديّات الانتقال الطاقوي في البلدان المُعتمدة على النفط : حالة الجزائر

Contributeurs | 04/11/22 23:11

مساهمة⎜تحديّات الانتقال الطاقوي في البلدان المُعتمدة على النفط : حالة الجزائر

إيمان بوخاتم ، باحثة في السياسات الطاقية و سفيرة الشرق الاوسط و شمال إفريقيا لدى الشبكة العالمية لشباب المناخ


     الحاجة لانتقال طاقي في الجزائر:

يُعَدُّ استخراج الوقود الأحفوري في البلدان الغنيّة بالنفط مُساهمًا رئيسيًا في انبعاثات غازات الدفيئة. تَحُلُّ الجزائر ثالثة في أفريقيا بعد جنوب أفريقيا ومصر، في ما يخصّ كميّات غازات الدفيئة المنبعثة منها . بيْد أنّ أفريقيا لم تمثّل سوى 3.8 في المئة من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون العالمية لسنة 2020، أيْ أصغر حصّة بين كلّ مناطق العالم . يُصَدَّرُ جُلُّ الوقود المُنْتَج في الجزائر ويُحرَق خارجها متسبّبًا في ثاني أوكسيد كربون إضافي. حسب تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ (IPCC) الخاص بالاحتباس الحراري فإنّ تحقيق تخفيضات الانبعاثات التي يمكن أن تحدّ من الاحترار إلى 1.5 درجة مئوية بحدّ أقصى، يتطلّب انتقالات سريعة وممتدة في أنظمة الطاقة .

الجزائر هي أكبر دول أفريقيا من حيث المساحة ويقطنها أكثر من 44 مليون نسمة. تمتدّ من سواحل البحر الأبيض المتوسط شمالا، أين يعيش أغلب سكّانها، إلى الصحراء الكبرى جنوباً (وبها أعلى درجات حرارة على سطح الأرض) والتي تُغطي أكثر من أربعة أخماس مساحة البلاد . لحدود سنة 1962 حين نالت الجزائر استقلالها، كان اقتصاد البلاد ريفيًّا بالأساس ومعتمداً على الفلاحة مع إرسال المنتوجات الجزائرية إلى فرنسا: سلطة الاحتلال السابقة، لتكملة الإنتاج هناك. لكن اكتُشفت مصادر نفط وغازٍ هامة في الصحراء الجزائرية أواخر الخمسينيّات. تبَعًا لذلك أتت اتفاقيات إفيان (1962) والاتفاق الفرنسي الجزائري (1965) لتوفير إطار للإدارة والتعاون الطاقيّ الفرنسي الجزائري حتى تأميم الموارد الهيدروكربونية (أو المحروقات) سنة 1971، حين اكتسبت الجزائر سيطرتها على صناعتها الهيدروكربونية .

كان يُنظرُ إلى التأميم كـ « عمل هام من أعمال التحرّر السياسي » (كما ورد في الميثاق الوطني الجزائري لسنة 1986). وتُعتبر الآن موارد الغاز والنفط الجزائرية جزءاً من الثروة الوطنية التي يجب أن يتقاسمها الشعب في شكل توفير تمويل للخدمات الاجتماعيّة مثل الرعاية الصحيّة المجانيّة والتعليم .

لعبت الصادرات الهيدروكربونية طويلاً دوراً مهماً في السياسات الجزائرية وفي اقتصاد البلاد. موّلت الصادرات الهيدروكربونيّة المتزايدة أجندة الرئيس بومدين التصنيعية (1965-1978). ثُمّ في ظلّ ما تلاها من لبرَلة وتحوّل إلى اقتصاد السوق (منذ أوائل الثمانينيّات فصاعدًا)، مع تقويض الخبرة التصنيعية وتدمير الإمكانات الصناعية للجزائر في نهاية المطاف، وجدت البلاد نفسها محصورة نسبيًّا في كونها مُصدِّرًا أساسيًا للنفط والغاز. ويمثل النفط والغاز الآن 93.6 بالمئة من مجموع مداخيل التصدير الوطنية و50 بالمئة من الميزانية الوطنية . 

إذا نظرنا إلى الصورة الاقتصادية من زاوية أوسع، منذ أوائل الثمانينيّات وتحت تأثير أجندة اللبرَلة والخصخصة ، نلحظ تراجع إنتاج الجزائر للغذاء إلى حدٍّ بعيد عن مستويات الاكتفاء الذاتي . إلّا أنّ مستويات المعيشة ارتفعت إلى مستوى متكافئ مع البلدان متوسطة الدخل ليصل الدخل القومي الإجمالي للفرد الواحد في الجزائر $3,815.25 سنة 2020 ، ممّا يجعلها إحدى أغنى خمس بلدان بالقارّة الإفريقيّة.

فيما يتعلّق بالطاقة، بذلت الجزائر جهودًا هائلة لتوفير كهرباء رخيصة وثابتة لسكانها، إذ حقّقت معدلّ وصول للكهرباء بنسبة 99.8 في المائة سنة  2020. ومع ذلك، تواجه البلاد حاليًا تحديًا ثلاثيًا في قطاع الطاقة: الاعتماد الاقتصادي على عائدات الهيدروكربونات، وتزايد الطلب المحلّي على الكهرباء، واتفاقيات تصدير الوقود الأحفوري طويلة الأجل التي تلتزم بها الدولة من أجل تجنّب العقوبات والتتبّعات القضائية والغرامات. في الوقت نفسه، نظرًا لأن عدد سكان الجزائر ينمو بسرعة بمتوسط زيادة 2 في المائة سنويًا، مع توقع 53 مليونًا بحلول سنة 2030 ، انخفضت صادرات الغاز الطبيعي بشكل كبير  من أجل تلبية الطلب المحلّي سريع التزايد على الكهرباء.

على ضوء هذا الوضع المُلِحّ، تواجه الجزائر الحاجة إلى تغييرٍ سريعٍ في قطاع الطاقة لديها، وإلى القيام بذلك مع الحفاظ على تركيز أساسي على العدالة الاجتماعية. ومع ذلك، فإنّ عائدات تصدير النفط تُشكّل عقبة رئيسية أمام الانتقال الطاقيّ العادل. لعبت عائدات النفط والغاز، وما تزال، دورًا حاسمًا في تلبية الاحتياجات الأساسية للناس في الجزائر، من الغذاء إلى الرعاية الصحية والتعليم، وفي تزويدهم بمستوى معيشي يتجاوز مثيله في العديد من دول المنطقة.

لا يمكن اعتبار الانتقال الذي يقوض حقوق الناس في الغذاء والصحة والتعليم وسبل العيش والتنمية « عادلًا ». في الوقت نفسه، تستحوذ الجهات السياسية القوية على حصّة كبيرة من ريْع النفط والغاز وتستفيد بشكل غير متناسب من الاقتصاد الاستخراجي الحالي . وبالتالي، هناك عقبات اجتماعية واقتصادية ومؤسّسية وسياسية وإجرائيّة كبيرة تَحُول دون الانتقال الطاقي في الجزائر، وسيتطلب الابتعاد عن الاقتصاد المعتمد على صادرات الوقود الأحفوري تحولًا اجتماعيًا واقتصاديًا دراماتيكيًا. يسلّط هذا المقال الضوء على الفرص والتحديات والمظالم المحتملة التي ينطوي عليها الانتقال إلى الطاقة الخضراء في الجزائر.

في البلدان التي تعتمد على الوقود الأحفوري في الجنوب العالمي، لم يحظَ خفض انبعاثات غازات الدفيئة بعدُ بالأولوية على حساب التنمية الاجتماعية والاقتصادية، والجزائر ليست استثناءً من هذه القاعدة.

 من منظور العدالة، لم تستفد بلدان الجنوب العالمي (إلى حدّ كبير بسبب الاستعمار) كثيرًا من التنمية الصناعية ولم تكن تاريخيًا مسؤولة عن التسبّب في أزمة المناخ، ومع ذلك فهي الأكثر تضرّرًا عندما يتعلّق الأمر بتأثيرات تغيّر المناخ. إلى جانب الآثار المستمرّة لأشكال مختلفة من الاستخراجية المفترسة التي حُبِست فيها. حيث بُنِيت اقتصادات هذه البلدان حول تصدير السلع الأوّلية، مثل الوقود الأحفوري، كما هو الحال في الجزائر، فإنها تواجه عبئًا مزدوجًا: الآثار المباشرة لتغيّر المناخ، من ناحية، والحاجة إلى تقليل الوقود الأحفوري والتّخلي عنه في نهاية المطاف من ناحية أخرى.

يدافع الفاعلون الرئيسيون في الحكومة الجزائرية وقطاع الطاقة عن تنويع نظام الطاقة، لكنّ دوافعهم اقتصادية وليست ناشئة عن مخاوف بيئية على وجه الخصوص. وبوجه أدقّ، الانتقال الذي تُروّج له هذه النخب الجزائرية مدفوعٌ في المقام الأول بالرغبة في التنويع الاقتصادي لتحرير البلاد من الاعتماد على مداخيل الوقود الأحفوري وحماية الاقتصاد الوطني من تقلبّات سوق الوقود الأحفوري العالمية. في الوقت نفسه، كان الدافع وراء تطوير الطاقة الخضراء حتى الآن هو الرغبة في الحفاظ على النظام الريْعي الحالي من خلال استبدال الوقود الأحفوري بعائدات من صادرات الطاقة المتجدّدة.

خلال العقود الماضية، وعلى الرغم من الأزمات العديدة التي واجهتها البلاد في هذه الفترة، تمكنت الجزائر من بناء سمعة كمصدر موثوق وضخم للغاز المُصدّر إلى أوروبا، حيث احتلت المرتبة الثالثة بعد روسيا والنرويج. استجابة للأزمة الأوكرانية، عرضت الجزائر زيادة صادراتها من الغاز إلى أوروبا، كشكل من أشكال الدعم للقارة. على سبيل المثال، تم توقيع عقد من قبل شركة النفط والغاز الإيطالية إيني  وشركة سوناطراك المملوكة للدولة  لبدء ضخّ 9 مليارات متر مكعب إضافية من الغاز في 2023- 2024.

في هذه اللحظة بالذات، ونظرًا لعجز احتياطات الغاز الحالية في الجزائر عن تلبية الطلب الأوروبي أثناء الصراع في أوكرانيا، فقد يكون هناك ضغط على الحكومة لتطوير وتصدير موارد الغاز غير التقليدية، أو على الأقل لحفر المزيد من آبار الغاز. ومع ذلك، نظرًا لأن الاتحاد الأوروبي يستعدّ ليصبح « محايدًا كربونيا » بحلول عام 2050، فإنّ هذا الارتفاع في الطلب على الغاز لن يستمر طويلاً. وبالتالي، إذا استثمرت الدولة في اكتشافات جديدة للنفط والغاز لتلبية الطلب المتزايد على الغاز من أوروبا، فهناك خطرٌ كبيرٌ يتمثل في الأصول المثبّتة والعالقة  .

في نفس الوقت، يواجه الوضع في الجزائر، في ما يتعلق بالاستهلاك الداخلي للغاز، تحديّاتٍ سبّبها الطلب المحلّي سريع النمو، والركود في – أو ربّما تراجع – الإنتاج . في هذا الظرف، تتطلع الطبقة الحاكمة في الجزائر إلى التحكّم في استخدام الغاز المحلي من أجل حماية القدرة التصديرية المستقبلية، مع اعتبار التنمية الوطنية للطاقات المتجددة وسيلةً لتقليل الاستهلاك الوطني للغاز.

تُمثّل زيادة حصة الطاقات المتجددة في مزيج الطاقة، مع توفير الغاز للتصدير، سيناريو جذابًا لأولئك الذين يستفيدون حاليًا من النظام الريْعي. من شأن ذلك أن يضمن على المدى القصير أو المتوسط، استمرار مصدر المداخيل، وبالتالي الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. لكنه ليس خيارًا واقعيًا على المدى الطويل: هناك عدد متزايد من الأكاديميين والخبراء الذين يُدركون أنّ معالجة أزمة المناخ ستتطلب ترك نسبة كبيرة من احتياطات الفحم والنفط والغاز المعروفة في الأرض، ومع استهداف أوروبا الحياد الكربونيّ في العقود المقبلة، وفرض ضرائب على الكربون، لن تحصل المواد الهيدروكربونية الجزائرية على عوائد مجزية.

علاوة على ذلك، فإنّ إنجاز انتقالٍ طاقيّ بهدف توفير الغاز للتصدير لن يؤدي سوى إلى إدامة النموذج الاقتصادي الريْعي والاستخراجي، والذي فشل في تحقيق التقدم الذي تطمح إليه البلاد. كما أنّ من شأن ذلك في الوقت نفسه، المساهمة في زيادة تعميق أزمة المناخ، والتي من المرجّح كونها تهدّد بالفعل وجود المنطقة ذاته.

عوض هذه النظرة النخبوية للانتقال الطاقيّ، يجب أن يكون الانتقال إلى نظام طاقة مستدام مصحوبًا بتغييرات اقتصادية واجتماعية وبيئية طويلة الأجل، ويجب أن يقوم على مبادئ العدالة الاجتماعية والاقتصادية. على سبيل المثال، يجب تحسين نوعية حياة العمّال وأسرهم من خلال تقديم تعويض عادل، واحترام التوازن بين العمل والحياة، وخلق بيئة عمل صحيّة.

ستكون إعادة التوزيع العادل للموارد الوطنية الجزائرية بمثابة مبدأ هامّ لمثل هذا الانتقال – اليوم، لا يستفيد العديد من الجزائريين ببساطة من ثروة البلاد الحالية. بالإضافة إلى هذا، فإنّ إرساء الديمقراطية وتمكين المواطنين من تقرير مستقبل الطاقة الخاص بهم هو شكلٌ من أشكال ديمقراطية الطاقة الذي تشتد الحاجة إليه ويجب أن يشكّل جزءًا من عملية الانتقال.

في المُجمَل، يجب تطوير انتقال عادل في الجزائر يهدف إلى خفض الانبعاثات وحماية البيئة واحترام حقوق الناس في الموارد وبيئة صالحة للعيش، والحفاظ على الموارد الطبيعية (بما في ذلك المياه والأرض) للأجيال القادمة، مع تحسين نوعية حياة الجزائريين من خلال تعزيز العدالة الاجتماعية والاقتصادية، والتوزيع العادل للثروة، وديمقراطية الطاقة، بدلاً من مجرّد توليد عائدات من صادرات الطاقة المتجددة. تحقيقاً لهذه الغاية، يجب أن تبحث مقترحات الانتقال الطاقي في الأسئلة حول ماهية الطاقة المستخدمة، ومن يستخدمها، وليس فقط مسألة مَصدَرها.

2.         سياسة الجزائر المناخية والطاقية

صادقت الجزائر سنة 1993 على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي (UNFCCC) ووقعت سنة 2005 على بروتوكول كيوتو. منذ ذلك الحين تضمنت كل مخططات البلاد الاجتماعيّة والاقتصاديّة إجراءات للتخفيف من آثار تغيّر المناخ وللتأقلّم معه (إجراءات تخفيف الآثار والتأقلم).  تُخطّط الحكومة الجزائريّة حاليا لتخفيض انبعاثاتها بنسبة 7% دون شروط أو 22% مع دعم من المجتمع الدولي، بحلول 2030.

يُمكن لتطوير مخطط استراتيجي للتعامل مع التغيّر المناخي العالمي والترويج للتنمية المستدامة للبلاد أنْ يحشدَ دعمًا ماليًا دوليًا للجزائر، وهو الدعم الذي لا يزال إلى الآن دعمٌ هزيل إذا تمت مقارنته بالوضع في بلدان مُجاورة.  إلّا أنّ إشكال تمويل العمل على ملف تغيّر المناخ في الجزائر يتعدّى الأسئلة التقنيّة المرافقة لتطوير خطّة للحصول على تمويلات. ليس مؤكدًا أن تتخلّى الجزائر عن صناعتها النفطية والغازيّة في ظلّ غياب قرارات وطنية ودولية حازمة لتمويل الانتقال الطاقيّ. لكن إنْ تطلّب العمل العالمي من أجل المناخ ألا يُنقّب عن النفط الجزائري وألّا يُصدَّرَ هذا الأخير، وإنْ اتفقنا بألّا يدفع الشعب الجزائري ثمن إجراءات مواجهة تغير المناخ على المستوى العالمي، فكيف ستُعوَّض عائدات تصدير النفط والغاز، ومن سيدفع الثمن؟

علاوة على هذا ورغم ما حصلت عليه من التزامات دولية، تلقّت السياسات المناخية إلى حدّ الآن دعماًمؤسساتياً وانتباهًا محدوديْن في الجزائر. لئن تأسّست الوكالة الوطنية لتغيّر المناخ (و.ت.م) سنة 2009، فإنّها تظلّ إلى اليوم منقوصة الموارد البشرية الكافية، إلى جانب ضعفها مؤسساتياً. في نفس الوقت، كانت هناك تغييرات في النظام وإعادة تعديل في الأقسام والوزارات مما تسبّب في ارتباكٍ وانقطاع في برامج العمل طويلة الأمد. على سبيل المثال في مايو/أيار 2015، أدّى التغيير الجزئي للحكومة إلى إنهاء المهام المتعلقة بالتخطيط المستدام وحماية البيئة التي كانت تتولاها وزارة تخطيط استخدام الأراضي والبيئة والسياحة. ألحقت المسألة البيئية بعد ذلك بوزارة الموارد المائية.  بعد سنتين، أُنشئت وزارة البيئة والطاقات المُتجدِّدة وأُسندَت إليها شؤون البيئة كما رُبطَت مباشرة بمسألة الطاقات المُتجدّدة.  ثُمّ، سنة 2019، حصل انفصال بين ملفيّ الطاقات المُتجدّدة والبيئة مع إنشاء وزارة جديدة للانتقال الطاقيّ والطاقات المُتجدِّدة تُعْنَى فقط بالانتقال الطاقيّ. خلال نفس السنة، أطلقت الوزارة المسؤولة عن البيئة مشروعها الأوّل المُتعلّق بقانون بيئي، مع دعم من الوكالة الألمانية للتعاون.

أدركت الحكومة الجزائرية أهميّة دمج شركات النفط والغاز والكهرباء المملوكة للدولة بعد سنوات من الفشل في إنجاز مصادر طاقة متجدّدة في إطار التنمية المستدامة. فمن دون الموارد الماليّة لشركة النفط الوطنيّة (الشركة العامة لأبحاث وإنتاج ونقل وتحويل وتجارة الهيدروكربونات ’سوناطراك‘) و(الشركة الوطنية للكهرباء والغاز ’سونلغاز‘) ومن دون الخبرة الفنية والإدارية في مجال الطاقة، يواجه برنامج الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة (2015-2030) مخاطر الفشل. وإدراكًا لهذه الحقيقة، أطلقت وزارة الطاقة والمعادن في سنة 2020 برنامجًا جديدًا للطاقة المتجددة (2020 -2030).

تستخدم الجزائر النفط والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي بشكل أساسي لتلبية حوالي 98% من الطلب المحلي على الطاقة. ليس للجزائر أيّ قدرات نووية، كما لا تملك طاقة مائية كبيرة أو طاقة تعمل بالفحم أو طاقة متجددة راسخة. ومع ذلك، وفي محاولة لتلبية الطلب المحلي المتزايد وتنويع مزيج الطاقة لديها، تتحرك الدولة ببطء نحو دمج المزيد من التوليد المعتمد على الطاقة الشمسية والرياح. 

تُعَدُّ الجزائر في موقع جيّد، بحكم خصائصها الجغرافية والمناخية، للاستفادة من الفرص المتاحة لإنتاج الطاقة المتجدّدة. يتمتّع البلد بـ 2000 – 3000 ساعة سنويًا من أشعّة الشمس بصحرائه، التي تغطّي 80 بالمائة من مساحته الجُمليّة. يمكن لهذه المساحة أن تنتج أكثر من 169.400 تيراوات في الساعة، وهو ما يعادل 5000 مرّة حجم الاستهلاك الوطني السنوي . نظرًا لقرب الجزائر من المراكز الأوروبية لاستيراد الطاقة، ولاتساعها الجغرافي، ولسمعتها كمصدر موثوق للطاقة، فإنّ سيناريوهات تصدير الطاقة المتجدّدة تبدو كذلك قابلة للتجسيد. تهيمن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على البرنامج الوطني لتعزيز الطاقات المتجددة وكفاءة الطاقة، إذ تمثّل 85 بالمائة من إجمالي السِعة المتوقَّعة بحلول عام 2028 . وتمّ إصدار أطلس موارد الطاقات المتجدّدة الجزائرية، الذي أعدّه مركز تنمية الطاقات المتجددة لأوّل مرة في عام 2019. وهو يضمّ مجموعة من التمثيلات الجغرافية التي تعرض الإمكانات الكامنة للطاقة في الجزائر، والتي تشمَلُ الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الحرارية الجوفيّة والطاقة الحيويّة.

البرنامج الوطني لتعزيز الطاقات المتجدّدة وكفاءة الطاقة 2011

وضعَت الجزائر عددًا من برامج الطاقات المتجدّدة منذ 2011، بيْد أنّ هذه الطاقات مازالت لا تقدّم غير مساهمة صغيرة في تلبية حاجيات الطاقة المحلّية. صادقت الحكومة الجزائرية في 3 فبراير/شباط 2011 على أول برنامج وطني مخصّص لتطوير وتعزيز الطاقات المتجددة وكفاءة الطاقة (بوتطمكط). ويهدف البرنامج إلى تحقيق طاقة إنتاجية من الكهرباء المتجددة تبلغ 22 ألف ميغاوات بحلول عام 2030، مع الالتزام بتصدير 10 آلاف ميغاوات من أجل تحقيق 40 في المائة من الطاقة المتجددة من إجمالي الكهرباء المُنتَجة .

كان الدافع الأساسي لتحديث عام 2015 لـ (بوتطمكط) هو التخفيضات الكبيرة في تكاليف الاستثمار لإنتاج الكهرباء من مصادر متجدّدة متنوعة، وخاصة الطاقة الشمسية الكهروضوئية (PV)، كما هو موضح في الشكل 6. ونتيجة لذلك، تم تخفيض حصّة الطاقة الشمسية المركّزة (CSP) إلى أقلّ من ثلث ما كان مخططًا له أصلاً في النسخة السابقة من البرنامج (من 7200 ميغاوات إلى 2000 ميغاوات). بالمقابل زادت الحصة المُخصّصة للطاقة الشمسية الكهروضوئية بنحو خمس مرات (من 2800 ميغاوات إلى 13575 ميغاوات) .

ومع ذلك، لم يتمّ فعليًّا تنفيذ لا برنامج 2011 ولا تحديثه لعام 2015 بمستوى ملموس: حتى الآن، لم تُركّب الجزائر سوى بُنية قادرة على إنتاج حوالي 425 ميغاوات من الطاقة الشمسية، وهو رقمٌ بعيدٌ جدًا عن هدف البرنامج البالغ 4500 ميغاوات بحلول عام 2020.

النسبة المئوية للإنجازتمّ تركيبه بحلول 2020 (ميغاوات) الهدف لعام 2020 (ميغاوات)المصدر
13.334003000كهروضوئيّة
5501010رياح
00360طاقة حيويّة
00                         5حراريّة جوفية
25طاقة شمسيّة مركّزة
10.74754.375الجملة

جدول 1: مدى إنجاز برنامج الطاقات المتجدّدة في الجزائر للعام 2020 

أٌعيقَ إنجاز القدرات المنشودة بسبب نقص التنسيق في تنفيذ (بوتطمكط)، بما في ذلك نسخته الأخيرة لعام 2015، ونقص المراقبة والتقييم، والأهمّ من ذلك، بسبب غياب الالتزام السياسي الجادّ بالانتقال الطاقي

البرنامج الوطني للانتقال الطاقي 2020

في مواجهة هذا النقص في العمل لتحقيق أهداف برنامج (2015-2030)، أكّدت الحكومة في 2019 عزمها على اللحاق في قطاع الطاقات المتجدّدة. فطوّرت برنامجًا جديدًا، البرنامج الوطني للانتقال الطاقوي 2020، مع هدف مُنقَّحْ بتحقيق قدرة 16000 ميغاوات بحلول عام 2035، اعتمادًا على الطاقة الشمسية الكهروضوئية. وبحسب وزارة الطاقة، فإنّ هذا الهدف يمثّل إحدى الركائز الأساسية للانتقال الطاقي في الجزائر. ومن المُخَطَّط أنْ تُوَلِّدَ محطات الطاقة الشمسية المتصلة بالشبكة الوطنية 15000 ميغاوات بحلول عام 2035، مع توقّع الانتهاء من الجزء الأوّل ذي قدرة 4000 ميغاوات بحلول عام 2024، فيما يُنتَظَر تطوير الـ 11000 ميغاوات المتبقية بحلول عام 2030. ولتجسيد هذه الخُطَط، وقع الإعلان عن مشروع « تفوّق 1 » في مايو/أيار 2020 الذي وُضع له هدفُ توليد 4000 ميغاوات من الطاقة الشمسية الكهروضوئية .

التطورات الأخيرة في قطاع الطاقات المتجدّدة

وقع إطلاق مخطّط الجزائر، الذي تمّت المصادقة عليه في عام 2020، للوصول إلى 15000 ميغاوات من القدرة على توليد الطاقة المتجددة بحلول عام 2035 في ديسمبر/كانون الأول 2021. كُلّفَت الشركة الجزائرية للطاقات المتجدّدة (شمس)، وهي مشروع مشترك بين الشركتيْن العموميّتين سوناطراك وسونلغاز، من قبل وزير الانتقال الطاقوي والطاقات المتجدّدة بدراسة عروض المناقصة. ستقوم ’شمس‘ كذلك بالاستثمار في كلّ مشروع، إمّا بمفردها أو بالشراكة مع كيانات عامّة و/أو خاصّة أخرى. إذا نجحت المناقصة، فسينتُج عنها صفقة شراء طاقة لمدة 25 عامًا . لن يكون مطلوبًا وجود محتوى صناعي محلّي في هذه المناقصة، ولكن سيتمّ تحفيز استخدام المعدّات المنتجة محليًا. علاوة على ذلك، فإن قاعدة 51/49، التي تحدّد حصّة الاستثمار الأجنبي في أيّ مشروع بنسبة 49 في المائة، قد وقع إلغاؤها أيضًا بالنسبة لقطاع الطاقات المتجدّدة، وهو ما يؤكّد التوجّه النيوليبرالي للحكومة الجزائرية الحالية (انظر المزيد حول هذا أدناه).

4.         تحدّيات وعوائق الانتقال الطاقي في الجزائر

العقبة الأولى التي تواجه استغلال إمكانات الطاقة الشمسية الهائلة في الجزائر هي المسافة بين مراكز الطلب ومراكز الإمداد. تقع مراكز الطلب في الشمال حيث تحُول الكثافة العمرانية دون إنشاء مشاريع ضخمة. ومع ذلك، يكمن جانب العرض في الصحراء، في الشطر الجنوبي من البلاد، حيث أشعة الشمس غزيرة والمساحة الجغرافية شاسعة. إضافة إلى مشكلة البُعد، فإنّ الظروف المناخية (من بين اعتبارات أخرى) تعني أنّ تكلفة بناء محطات الطاقة الشمسية الكهروضوئية أعلى بنسبة 30 في المائة في الجزائر من المتوسّط العالمي.

ما وراء حواجز الحوكمة ونحو ديمقراطية الطاقة

يُعتَبَرُ الافتقار إلى استراتيجية طاقة طويلة الأمد عقبة حوكمة رئيسية فيما يتعلق بالانتقال الطاقي: مبادرات الطاقة المتجددة غير فعّالة ومُجزَّأَة وينقصها التنسيق. كان قطاع الطاقة الجزائري بطيئًا في التكيّف مع احتياجات العالم الملحّة إلى الطاقة المتجدّدة، مدفوعَةً بالتغيّر المناخي. كما وقع تلخيصه أعلاه، أعلنت الجزائر عن خُطَطٍ طموحة، لكن لم يتمّ إنجاز الكثير بسبب سوء الإدارة وانعدام استراتيجية طاقة مُوَحَّدة وعدم كفاية الإرادة السياسية. في حين أن سياسات الطاقة والقوانين المنظّمة للقطاع إما مستوحاة من المنظومات الأجنبية أو يتمّ إنشاؤها محليًا، في كلتا الحالتين يقع إعاقة تنفيذها من البيروقراطية والفساد.

يتركز قطاع الطاقة في الجزائر العاصمة، وتُشرف عليه وزارتَيْ الطاقة والتعدين وكذلك الشركتين العموميّتين المحتكرتيْن للنفط والغاز والكهرباء سوناطراك وسونلغاز. في ظلّ منظومة الحوْكمة هذه المتّسمة بمركزيّتها وفوقيّتها وبدرجة عالية من التسلّط، من غير المرجّح سماع الأفكار الآتية من القواعد الشعبية، فضلاً عن القبول بها. يضاف إلى ذلك أن الجزائر تتبنى نموذج حكم جمهوري، ممّا يعني أنّ الهيئة المنتخبة هي السلطة الوحيدة المخوّلة صنع القرار. يُعيّن الرئيس وُلّاة (محافظي) المقاطعات، مستعرضًا تنظيمًا من أعلى إلى أسفل حيث يبقى الابتكار في السياسات على المستوى المحلي نادر الحدوث. في ظلّ ضعف وتشتّت المجتمع المدني، ومع قلّة الاهتمام بقضايا المناخ والطاقة، لا تتأثّر أجندة صناعة الوقود الأحفوري جدّيًا بنتائج التحرّكات الشعبيّة. وبالتالي، هناك حاجة إلى تبنّي سياسة ذات مقاربة أكثر مرونة وتشاركية وشفافية، بحيث يمكن للجزائريين المشاركة في المناقشات واقتراح الحلول لمشاكل الطاقة في البلاد. علاوة على ذلك، فإنّ من شأن إشراك الأفراد في صنع القرار في مجال الطاقة أن يعزّز شعورهم بامتلاك الموارد الطاقيّة العموميّة، وهو ما قد يؤدي إلى تحوّل في سلوك الناس نحو تصرّفات أكثر مسؤولية وساعية لإيجاد الحلول. ستمثّل إعادة بناء الثقة بين الحكومة والناس من خلال زيادة الانفتاح والمساءلة، والأهم من ذلك احترام قرارات المواطنين، خطوة أولى نحو ديمقراطية الطاقة في الجزائر. قد يُوفّر المزيد من البدائل اللامركزية للناس القُدرة على اختيار كيفية توليد الطاقة واستهلاكها وتبادلها، مع الحفاظ على الدور الحاسم للدولة كمديرٍ ومراقبٍ ومشرّعٍ.

تعاني الجزائر من نُدرة حادّة في المياه، ممّا يهدّد الأمن الغذائي للبلاد، من بين عواقب أخرى، مثل المخاطرة بانهيار الزراعة ونزوح المجتمعات المحلّية. على سبيل المثال، في أغسطس/آب 2021، تسبّبت حرائق ضخمة في إتلاف عشرات الآلاف من الهكتارات من الغابات في شمال البلاد، وفي مقتل ما لا يقلّ عن 90 شخصًا. ومع ذلك، على الرغم من الآثار الكارثية الواضحة لتغيّر المناخ على البلاد في السنوات الأخيرة، نادرًا ما يقع تناول هذا الأمر في المخطّطات الطاقيّة للبلاد، ويرجع ذلك جزئيًا إلى الضعف المؤسسّي لوزارة البيئة. لذلك من العاجل إدراج المتغيّر المناخي في سياسات وسيناريوهات الطاقة المستقبلية .

تمويل انتقال الطاقة

على الرغم من انخفاض تكلفة تقنيات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ما تزال مشاريع الطاقة المتجدّدة تتطلبّ رأسمالا كثيفًا. وبالتالي يُمثّل تمويل المرحلة الانتقالية تحدّيًا كبيرًا للجزائر. على ما يبدو هنالك ثلاث خيارات تمويل متاحة: الأموال العامة، والصناديق الخاصة المحلية، والاستثمار الأجنبي المباشر.

في السياق الحالي للأزمة الاقتصادية، يتزايد طلب الأموال العامة لمعالجة ما يُعتبَر مظالم اجتماعية واقتصادية أكثر إلحاحًا، وبالتالي لا يمكن لهذا المورد أن يقدّم سوى دعمًا محدودًا لعملية الانتقال على المدى القصير. ومع ذلك، يكشف الفحص الشامل للوضع الاقتصادي للبلاد خلال العقديْن الماضيَيْن عن وجود هدرٍ هائل وسوء إدارة للمالية العامة، بالإضافة إلى استشراء الفساد. من أجل انجاز انتقالٍ مُجدٍ وعادلٍ للطاقة في الجزائر، يجب دمقرطة الدولة ووقف الفساد المستشري. يجب على الدولة أيضًا أن تلعب دورًا أكبر في مسار الانتقال وأن تخصّص له المزيد من الأموال العامة، كما ينبغي أن تدافع عن تمويل أكبر للمناخ على الساحة الدوليّة. بالإضافة إلى ذلك، من المهم أن نتذكر أنه عندما ترتفع أسعار النفط (كما يحصل الآن)، تتوفّر إمكانية إنشاء صناديق سيادية يمكن أن تتيح التمويل الوطني لتحديث منظومات الطاقة.

قد تكون طرق التمويل المهمّة الأخرى، مثل صناديق التعويضات المناخية ودفع الديون البيئية من قبل الشمال العالمي، فعّالة في المساعدة على تحقيق انتقال طاقي عادل في اقتصادات الجنوب العالمي المعتمدة على النفط مثل الجزائر. ومع ذلك، لا تزال هناك شكوك حول احتمال حدوث مثل هذه الإجراءات. على سبيل المثال، تم التعهد بمبلغ 8.5 مليار دولار لدعم التخلص التدريجي من الفحم في جنوب إفريقيا في قمة المناخ الدولية « كوب 26 » ، إلّا أنّ ذلك لم يتحقّق بعد للأسف. ومع ذلك، لا يمكننا التحدث عن انتقال طاقي عادل دون إثارة مسألة سداد ديون المناخ والتعويضات من جانب الشمال العالمي الغني إلى بلدان الجنوب العالمي – لا كقروض جديدة بل كتحويلات للثروة. وهذا ليس مجرّد واجب معنوي أو أخلاقي، بل يُعَدُّ مسؤوليَّةً تاريخيّةً. يجب أن يدفع الغرب الصناعي نصيبه العادل في مساعدة البلدان الفقيرة الأقلّ مسؤولية عن تغيّر المناخ، والتي غالبًا ما تكون أيضًا أكثر عرضة للمخاطر، لإنجاح خططها للتكيّف والانتقالات الخضراء. لسوء الحظ، لا تسمح المسارات الحالية بمثل هذه المساعدة للبلدان متوسطة الدخل والمنتجة للنفط مثل الجزائر، حيث يتم إعطاء الأولوية للبلدان التي لديها قضايا طاقة أكثر تعقيدًا مثل الوصول إلى الطاقة النظيفة. ويعكس ذلك إلى أيّ درجة ما تزال السياسات المناخية الدولية عالقة في إطار « المساعدة والتنمية »، ولا تنتبه على الإطلاق إلى الحاجة الحقيقية لترك احتياطيات الغاز والنفط الموجودة في الأرض دون استخراجها – وما يستتبعه ذلك من خسارة كبيرة في المداخيل. سيتطلب وقف الاستخراج سياسات إعادة توزيع عالمية تعالج بشكل مباشر احتياجات البلدان المصدّرة للنفط، بما في ذلك البلدان ذات الدخل المتوسط مثل الجزائر.

بالانتقال إلى الوضع الداخلي، من الواضح أن الإرادة السياسية لتمويل انتقال الطاقة غير متوفرة حاليًا في الجزائر. وعلى سبيل المثال، وقع إنشاء صندوق مُخصَّص لتمويل برامج الطاقة المتجددة في 2015، ولكن لم يُستخدَم بشكل ناجع بسبب غياب قرارات تنفيذية تنظّم التدابير القانونيّة لاستخدامه. تحظر السياسات السيادية في البلاد الديون الخارجية وتحدُّ من التمويل الدولي في القطاعات الحيوية والاستراتيجية، مثل الطاقة، إلى 49 في المائة مقابل 51 في المائة للشركاء الجزائريين. ومع ذلك، وبسبب ضغط لوبي الطاقة الرأسمالي العالمي والمحلّي، الذي يجادل بأنّ الإطار التنظيمي « غير الآمن » و « المتصلّب » للجزائر لا يشجّع الاستثمار الأجنبي، فقد وقع التخلّي عن المعيار السيادي الأدنى 49/51 في المائة لمشاريع الطاقة المتجدّدة. تفضل فئة المستثمرين من القطاع الخاص في الجزائر، والتي تتكون أساسًا من الصناديق العائلية، المشاركة في المشاريع المدرّة للربح السريع حيث يمكنهم استرداد رأس مالهم في وقت وجيز، على عكس مشاريع الطاقة المتجدّدة، حيث سيتعيّن عليهم الانتظار فترة طويلة للحصول على عائدات استثماراتهم. إضافة إلى ذلك، بعد عقد من الوعود الفارغة والالتزامات التي لم يقع الوفاء بها، فقد المستثمرون في الجزائر الثقة في مخططات الطاقة المتجددة في البلاد. ومع ذلك، منذ الإعلان عن (بوتطمكط) في 2011، عمل بعض المستثمرين من القطاع الخاص على إنشاء سلسلة قيمة للطاقة الشمسية الكهروضوئية لمساعدة البرنامج.

على الرغم من كلّ التصريحات الكبيرة التي أصدرتها النخب السياسية في الجزائر حول إرساء الطاقات المتجدّدة، لم يتم إنجاز الكثير لجهة زيادة التمويل من أجل الانتقال الطاقي من المصادر الثلاثة التي وقع نقاشها أعلاه. في الوقت نفسه، أهدرت الجزائر الفرصة الحاسمة التي أتاحتها فترة الرخاء النفطي 2004-2014، عندما كانت أسعار النفط والغاز مرتفعة للغاية، لاستخدام المداخيل الكبيرة من أجل التصنيع، وتنويع الاقتصاد والشروع في انتقال متين في مجال الطاقة وخلق وظائف خضراء (مراعية للبيئة). بدلاً من ذلك، اختلسَت النخبة الفاسدة المفترسة الأرباح الفائقة التي تم تحقيقها خلال تلك الفترة .

أخيرًا، ضمن هذا النقاش حول تمويل الانتقال الطاقي، يتمثّل أحد السبل الجديرة بالاهتمام، والتي يمكن للجزائر اتباعها، في استراتيجيات لتشجيع المواطنين على الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة الصغيرة القائمة على المجتمع المحلي، وتفعيل المشاريع المجتمعية المتكاملة. يمكن أن يوفر هذا الشكل من الديمقراطية الطاقيّة المباشرة فرصة لخلق فرص العمل وتمكين المجتمع.

معوقات نقص الخبرة والتكنولوجيا

على عكس تجربتها التاريخية مع تكنولوجيات النفط والغاز، تفتقر الجزائر إلى الخبرة في التكنولوجيات الخضراء. يرجع هذا في الغالب إلى ما بدا في السنوات الأخيرة من ضُعف للاهتمام السياسي بالتكنولوجيات الخضراء، فضلاً عن تراجع التصنيع في الاقتصاد الجزائري منذ أن بدأت الإصلاحات النيوليبرالية في الثمانينيات. ترافقت عملية التحرير والانتقال إلى اقتصاد السوق مع القضاء على المعرفة النظرية والعَمليّة في الصناعة، وبلغت ذروتها في تصفية المعاهد المتخصصة في المجالات الحيويّة مثل الطاقة والصلب وصناعات النسيج . بعد حملة ضد التعليم الثانوي التقني، وقعت تصفية الفروع التقنيّة الصناعية التي ساهمت في تدريب المهندسين وكبار التقنيين على مدى عقود. ما يزال عدد الخبراء المتوفّرين لدعم برنامج الانتقال في مجال الطاقة، لا سيما فيما يتعلق بالطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة وجميع الأنشطة الاقتصادية والصناعية المتعلقة بها، أقل بكثير من الكتلة الحرجة المطلوبة . وبالتالي، هناك حاجة للمزيد من البحث التطبيقي والتدريب العملي. تحتاج الجزائر إلى عمليات نقل التكنولوجيا والخبرة الإدارية من الدول التي أدارت الانتقال بشكل فعّال. يجب أن يهدف هذا التعاون إلى بناء القدرات البشرية والمادية للجزائر. وهو ما سيتطلبّ التغلّب على الحدود التكنولوجية الاحتكارية الحالية ونظام الملكية الفكرية الذي تفرضه اتفاقيات التجارة الحرّة والمؤسسات المالية الدولية.

أحد أصعب جوانب أيّ انتقال طاقي في الجنوب العالمي هو السيطرة على التكنولوجيا (نقل التكنولوجيا) والتصنيع: وهذا مطلوب لتحقيق مستوى التكامل الاقتصادي الضروري لتنمية اقتصادٍ أخضر مزدهرٍ مع وظائف خضراء. وهو ما يستلزم انتقالًا نموذجيًا بعيدًا عن النيوليبراليّة ونحو المزيد من مشاركة الدولة واستثماراتها، فضلاً عن بعض التمويل المناخي من البلدان الأكثر تقدمًا. يُعَدُّ شرط العنصر المحلّي (سياسة تفرضها الحكومة تتطلب من الشركات استخدام السلع المصنَّعة محلّيًا أو الخدمات المقدّمة محليًا مقابل السماح لها بالنشاط في الاقتصاد المحلّي) أمرًا بالغ الأهمية لتطوير قطاع طاقة متجددة قوي ومستقلّ في الجزائر.

يجب على مقدّمي العروض الذين يتمّ اختيارهم لبعث مشاريع الطاقة المتجددة أن يلعبوا دورهم في استراتيجية صناعية يتم من خلالها تطوير مكونات الطاقة الشمسية محليًا. ويجب أن تهدف هذه الاستراتيجية إلى إنشاء اقتصاد محلي للطاقة الشمسية، مع خفض تكاليف المشروع أيضًا عن طريق تجنب تكاليف المواد المستوردة . على الرغم من أن مثل هذه الاستراتيجية ستفيد الاقتصاد المحلّي، وخاصة سوق العمل، إلا أنه سيكون من الصعب للغاية تنفيذها في الجزائر لأنّ سلسلة القيمة الصناعية المحلية ما تزال غير مكتملة التكوين: فهي حاليًا في مهدها، والكثير من الإنتاج المحلي لا يستجيب للمعايير الدولية. وفي هذا السياق، يضغط المستثمرون الأجانب حاليًا من أجل إلغاء شرط العنصر المحلّي لأنهم يرون فيه حاجزًا للاستثمار يعيق تحقيقهم للأرباح المجزية. ومع ذلك، ورغم أنّ التخلي عن مثل هذه الإجراءات قد يجذب المزيد من التمويلات ويعطي دفعة لقطاع الطاقة، إلا أنّه لن يكون مفيدًا لاقتصاد الجزائر وصناعتها وسوق العمل فيها.

على هذا الأساس، من الأهمية بمكان البحث عن حلول ناجعة لإنشاء وتعزيز التكنولوجيا والخبرة، من خلال تجاوز نظام حقوق الملكية الفكرية الذي يفرضه الغرب والاحتكارات التكنولوجية، وذلك عبر إقامة شراكات مربحة للجانبين مع بلدانٍ في الجنوب العالمي، مثل الصين.

النفاذ إلى الطاقة ومسألة الدعم

ما تزال الحكومة تهيمن على سوق الطاقة في الجزائر. ومع ذلك، فإن النموذج الاقتصادي غير المستدام للمرافق المملوكة للدولة وسوء إدارتها فسح المجال إلى دعوات للخصخصة وإنهاء الدعم. من أجل التكيّف مع التغييرات الجذرية الحالية في المشهد الطاقي، تحتاج الشركة العامّة الجزائرية سونلغاز إلى اعتماد إصلاحات تقنيّة وإدارية ومالية لتصبح مُجدية اقتصاديًا، فضلاً عن جعلها أكثر شفافية وخضوعًا للمساءلة. علاوة على ذلك، يُعَدُّ الإصلاح التدريجي للدعم أمرًا ضروريًا أيضًا.

حاليًا، يقع دعم الكهرباء في الجزائر بشكل كبير: تدفع الأُسَر ما يعادل 0.038 دولارًا للكيلووات / ساعة للكهرباء (1/7 من السعر المدفوع في المملكة المتحدة) وتدفع الشركات 0.033 دولار . أصبحت هذه الأسعار المنخفضة، التي هي أقل بكثير من تكلفة الإنتاج (تصل إلى حوالي ثلث تكلفة الإنتاج)، ممكنة بفضل سياسة الدعم.

هناك أيضًا إعانات إضافية غير مباشرة، من خلال الدعم للوقود الأحفوري، والتي تعتبر ذات صلة هنا بالنظر إلى أنّ كهرباء الدولة تأتي في المقام الأول من الوقود الأحفوري. لسوء الحظّ، فإنّ هذه الإعانات، إلى جانب النظام الضريبي التنازلي في الجزائر، لا تفيد الطبقات المحتاجة بقدر ما تُثري أصحاب الأعمال ورأس المال في البلاد. وبالتالي فإن الإصلاح العادل للدعم هو ضرورة سياسية واقتصادية. يجب أن يكون هذا الإصلاح تقدميًا لجهة فئات المجتمع المدعومة: لا ينبغي أن يشمل أغنى الطبقات والمجموعات الرأسمالية (التي تزيد بالتالي من أرباحها)؛ بدلاً من ذلك، يجب أن يسعى إلى التخفيف من محنة الفئات الأضعف في المجتمع .

تواجه الجزائر حاليًا أزمةً اقتصادية-اجتماعية وسياسية مزدوجة. شكّلت حركة الاحتجاج الجماهيري (الحَراك) التي انطلقت في فبراير/شباط 2019 واستمرت أكثر من عام تحديًا سياسيًا جدّيًا للنظام الجزائري. يضاف إلى ذلك التداعيات الاقتصادية السلبية للغاية لـ كوفيد – 19، ما يجعل أيّ إلغاء شامل لدعم الطاقة في المستقبل القريب غير مقبول سياسيًا – فضلاً عن أنه غير عادل لملايين الجزائريين الذين زاد فقرهم خلال السنوات القليلة الماضية. على سبيل المثال، استجابةً للانخفاض العالمي في أسعار النفط في عام 2020، مع انكماش الاقتصاد بنسبة 6 في المائة وفقًا لصندوق النقد الدولي وتراجع احتياطات البلاد من العملة الأجنبية من 62 مليار دولار إلى 47 مليار دولار بحلول نهاية عام 2020 ، حدَّدت الحكومة التزامها بالإنفاق الاجتماعي: مع خفض بنسبة 30 في المائة من هذا الإنفاق. ومع ذلك، شهدت البلاد عجزًا كبيرًا في الميزانية، وصل إلى 18.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021 . علاوة على مستويات الفقر المتزايدة، فُقِدَت مئات الآلاف من الوظائف، بما في ذلك في القطاع غير النظامي/غير الرسمي المتّسم بالهشاشة. وفقًا للبيانات الحكومية، فُقدت 500 ألف وظيفة في عام 2020 لوحده ، . وحتى لحظة كتابة هذا التقرير، مازال الاقتصاد الجزائري تحت الضغط، على الرغم من أن الحرب في أوكرانيا قد تمثّل نِعمة لحُكّام الجزائر، إذّ ارتفعت أسعار النفط والغاز مجدّدًا.

قد يكون دمج الكهرباء المتجدّدة في مخططات الدعم الحكومية خيارًا لتعزيز نموّ الطاقة المتجددة. ومع ذلك، فقد ثبت أنّ نموذج سياسة المناخ النيوليبرالية العالمية الحالية غير فعّالة في عدم تحفيز الوقود الأحفوري من خلال نموذج تسعير الكربون، ومن خلال تشجيع الاستثمار منخفض الكربون عبر الدعم وآليات التعاقد التفضيليّة. يَنظُر هذا النموذج النظري للسياسات إلى الحكومات باعتبارها حامية لرأس مال القطاع الخاص، مما يمنعها من مواجهة التحديات الاجتماعية والبيئية. مع عجزها الاستثماري الهائل وعدم الكفاءة التكنولوجية، فشلت مناهج سوق الخصخصة حتى الآن في تحقيق الانتقال الطاقي الذي يُعَدّ ضروريًا للغاية في الجزائر . وبالتالي، هناك حاجة إلى التزام سياسي قوي تجاه الانتقال الطاقي داخل قطاع الطاقة العام الجزائري، مع الإدماج المتَحَكَّم فيه للجهات الفاعلة في القطاع الخاص، جنبًا إلى جنب مع الحوكمة التشاركية والشفافية والديمقراطية للشركات المملوكة من الدولة.

5.         حاجة الجزائر لانتقالٍ طاقيٍّ عادل

عزّزت الطفرة النفطية لسنوات الألفين الميزان الماليّ العام وسمحت بالقيام باستثمارات كُبرى، لكنّ تدنيّ أسعار النفط منذ يونيو/حزيران 2014، بما في ذلك خلال وباء كوفيد (على الرغم من انعكاسها الآن بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا)، ألقى بظلال الشّك على استراتيجية البلاد الاقتصاديّة والطاقيّة. غطّت مداخيل التصدير 67% فقط من مجموع الواردات سنة 2015، بينما يعرف صندوق ضبط الإيرادات واحتياطات العملة الصعبة تراجع مُطّرِدًا، من 121.9 مليار دولار في أكتوبر/تشرين الأول 2016 إلى 42 مليار دولار في مارس/آذار 2021. 

يعاني الاقتصاد الجزائري من الحساسيّة لتقلبات الأسواق العالميّة، نظرا لارتباطه الكبير بمداخيل النفط والتي لا يمكن أن تكون أساسًا صلبًا لبناء مخططات اقتصاديّة متينة. عدم الاستقرار هذا مُؤكد بالأداء الاقتصادي الأخير الذي تميّز بانكماشات وانتعاشات. وفاقَم وباء كوفيد من حِدّة الأزمة الاقتصادية التي كانت موجودة أصلًا في البلاد وشكَّل تهديدًا إضافيًا لواضعي السياسات الجزائريين لجهة بناء اقتصاد متنوع وتنفيذ انتقال طاقيّ، ممّا أدّى إلى تزايد عجز الميزانية، والانكماش الاقتصادي، وخفض الإنفاق العام، وكلّها عوامل أدّت إلى صعوبات في إيجاد المال لتمويل الانتقال الطاقيّ.

ومع ذلك، بعد هذه المعاناة، ارتفعت أسعار النفط في الربع الأخير من سنة 2021، إثر الانتعاش الاقتصادي العالمي بعد كوفيد: بلغ متوسط أسعار خام برنت 71 دولارًا للبرميل في سنة 2021 (بلغت ذروتها عند 86 دولارًا)، بعد أن بدأت السنة عند 50 دولارًا للبرميل. ارتفعت عائدات تصدير المحروقات من 20 مليار دولار إلى 34.5 مليار دولار خلال هذه الفترة. بعد ذلك، أدّى غزو أوكرانيا إلى ارتفاع أكبر لأسعار النفط، إذ تجاوزت لفترة وجيزة 123 دولارًا لبرميل خام برنت في بداية الحرب.

في حين أنّه قد تبدو هذه الأخبار جيدة (على الأقل بالنسبة لحُكّام الجزائر)، إلاّ أنّ مثل هذه الأسعار المرتفعة قد تكون عائقًا أمام الانتقال إلى الطاقة الخضراء لأنّها قد ترسّخ العقلية الاستخراجية والريْعية، وقد تعطي دفعًا لمزيد من التنقيب عن الوقود الأحفوري، خاصة في السياق الحالي الذي يسعى فيه الاتحاد الأوروبي إلى إنهاء اعتماده على الغاز الروسي من خلال تنويع مصادره.  هناك بعض الدلائل المقلقة على أنّ هذا هو الاتجاه الذي تتخذه بالفعل الطبقات الحاكمة الجزائرية: لقد وافقوا على ضخّ المزيد من الغاز إلى إيطاليا، ويفكّرون الآن في استكشاف واستغلال حقول جديدة، بمساعدة الدول والشركات الأوروبية.

تتطلبّ احتياجات البلاد على المدى الطويل تحولًا سريعًا وتحولًا مزدوجًا – انتقالًا اقتصاديًا وانتقالًا طاقيًّا. يتضمن التحول الاقتصادي الابتعاد عن الاقتصاد المعتمِد على الوقود الأحفوري بشكل أساسي إلى اقتصاد أكثر تنوعًا يعتمد على الأنشطة الصناعية والزراعية المستدامة، فضلاً عن الانتقال من كونه مستوردًا صافيًا للمنتجات إلى منتجٍ صناعي. من ناحية أخرى، ينطوي الانتقال الطاقي على التحوّل من حرق الوقود الأحفوري إلى استخدام ناقلات طاقة أكثر استدامة من خلال نشر التقنيات الخضراء ودراسة كيفية استخدام الطاقة، ومن قِبَلِ من ينبغي استخدامها لتحقيق أقصى قدرٍ من العدالة الاجتماعية ورخاء الإنسان.

وفقًا لخارطة طريق « صفر صافي 2050 » للوكالة الدولية للطاقة، فإنّ إزالة الكربون بما يتماشى مع اتفاقية باريس لا يسمح بالاستثمار في حقول النفط والغاز الجديدة. كما هو الحال حاليًا، من المتوقّع بحلول سنة 2030 أن تكون البلدان قد تجاوزت بأكثر من 20% الحدّ الأقصى للانبعاثات الممكنة إذا حُوفِظ على هدف اتفاقية باريس: الحدّ من ارتفاع درجة الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية بحد أقصى. علاوة على ذلك، تتحكم شركات النفط في أصول تصل قيمتها إلى تريليونات الدولارات، والتي، وفقًا للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ، لن تتمكن أبدًا من حرقها إذا كان البشر ينوُون البقاء على قيد الحياة على هذا الكوكب. العديد من المخاطر الخفية في قطاع النفط أصبحت الآن واضحة بشكل متزايد للمستثمرين من القطاع الخاص والمؤسسات المالية العامة. وبالتالي، فإنّ استقرار الأسعار، والتخلص التدريجي من الإنتاج والسعي إلى المزيد من السلع البديلة، مثل الهيدروجين الأزرق والأخضر، هي من أهم أولويات مُنتجي الهيدروكربونات.

تُحتِّم طبيعة أزمة المناخ الاستعجاليّة مشاركة صناعة النفط والغاز والحكومات والمؤسسات المالية (وإن كان ذلك بطرق مختلفة تمامًا)، فضلاً عن المشاركة النشطة للعمال والنقابات العمالية، في اتخاذ قرارات حازمة – والتزامًا قويًا لتحويل هذه القرارات إلى أفعال. يجب أن ينتهي تطوير ودعم قطاع الهيدروكربونات، باستراتيجية سريعة، ولكن عادلة، للتخلص التدريجي والمُخطّط من إنتاج النفط الحالي مع مساعدة البلدان المعتمدة على النفط والمجتمعات والعاملين في جميع أنحاء العالم على انتقال سلس. 

للأسف، ليس واضحا إذا كانت الجزائر تُخطّط للتخلّص من إنتاج النفط في المستقبل القريب. مثلما ذُكِرَ سابقا، نظرًا لارتفاع الطلب الأوروبي تبحث الجزائر الآن عن مزيد من تطوير صناعتها النفطية والغازيّة عبر جلب مستثمرين لاكتشاف حقول غاز ونفط جديدة. تُعزّز هذه الاستراتيجية خطر الأصول المُثبّتة والعالقة في البلاد، كما تنطوي على خطر أن يؤدي الانخفاض الفوضوي في الطلب على النفط إلى انهيار اقتصادي للجزائر، بسبب اعتمادها الكامل على صادرات الوقود الأحفوري. قد يتضمن مثل هذا الانهيار فقدان الدعم الحكومي للخدمات العامة، وهبوط في المنتجات الأساسية المدعومة، وإضعاف (إن لم يكن انهيارًا تامًا) للشركات الوطنية، وبالتالي الخصخصة، التي من شأنها أن تكون قناة مُؤدية للرأسمالية النيوليبرالية والاستعمار الجديد. قلّة من الجزائريين يستطيعون العيش بشكل لائق في مواجهة مثل هذه الآثار المتطرفة.

تُمثّل الفرصة الحالية التي توفرها زيادة أسعار النفط (بسبب الحرب الروسية في أوكرانيا) لحظة جيدة لتخصيص تمويل كبير لنشر الطاقة المتجددة في الجزائر والانتقال الطاقيّ. يجب على الحكومة الجزائرية إعطاء الأولوية على الفور لانتقال طاقي وتنويع اقتصادي، من أجل حماية السيادة الوطنية وتوفير مستقبل آمن للجزائريين على المدى الطويل. يجب أن يكون هذا مصحوبًا بمنح مناخية من بلدان الشمال، كجزء من جهود إصلاح المناخ، لمساعدة الجزائر على التكيف مع آثار تغير المناخ والانتقال إلى الطاقة المتجددة. بالنظر إلى المستقبل، يمكن لتصدير الهيدروجين الأخضر (أو مصادر الطاقة المتجددة الأخرى) أن يسمح للبلاد بالحفاظ على مكانتها كمصدر موثوق للطاقة في عصر ما بعد المحروقات.

على أنّ هذا السيناريو لن يكون قابلاً للتطبيق إلا إذا أصبحت مصادر الطاقة المتجددة جزءًا أكبر بكثير من مزيج الطاقة في البلاد. وبخلاف هذا، فإن نموّ البنية التحتية المخصّصة حصرًا لإنتاج الهيدروجين لأغراض التصدير، على سبيل المثال، سيعيق تحوّل البلاد، ويؤدي إلى تفاقم مشاكل الطاقة فيها، وإدامة موقعها التبَعيّ داخل الاقتصاد العالمي.

يمكن اعتماد العديد من أدوات السياسة لإدارة التخلّص التدريجي العادل من النفط والغاز في الجزائر.  يجب على الحكومة الجزائرية تطوير أدوات سياسات تنطلق من القاعدة (من أسفل لأعلى) لحماية العمال وأُسَرِهم والمجتمعات التي ستتأثر بإيقاف تشغيل صناعات النفط والغاز. تحقيقًا لهذه الغاية، ينبغي تشكيل لجنة/هيئة لتحديد عمال النفط والغاز والمجتمعات المحلية التي ستتضرر بشكل مباشر من الانتقال. إنّ المساعدة المالية وإعادة التأهيل والعودة إلى سوق الطاقة الخضراء هي كلّها تدابير مطلوبة. في هذا السياق، هناك حاجة إلى برامج المهارات الخضراء، لتمكين العمال المتضررين من الوصول إلى فرص جديدة في سوق العمل.

تتطلبّ حماية المجتمعات من أيّ آثار سلبية لانتقال الطاقة حوكمةً ديمقراطية وآليات تشاركية تنطلق من القاعدة. إنّ تثقيف الجمهور حول مخاطر تغيّر المناخ والحاجة إلى انتقال الطاقة، من خلال المدارس والمساجد والقنوات التعليمية والدينية المختلفة، سيكون مفيدًا في غرس موقف أكثر مسؤولية تجاه العالم. يجب حشد الشباب وبناء التضامن مع المجتمعات المحلّية الجزائرية التي تقاوم وتتأقلم مع تغير المناخ من خلال الحركة الدولية للعدالة المناخية العالمية. يُمكن أن يكون إنشاء لجان على مستوى القاعدة ووزارة مخصصة (أو على الأقل قسم داخل وزارة) لإدارة الانتقال العادل استراتيجية فعّالة. سيكون التعلّم من التجارب الأخرى في جميع أنحاء العالم أمرًا حيويًا: يوفّر التخلص التدريجي المستمر من الفحم في العديد من الدول دروسًا قيّمة حول إدارة عمليات التخلص التدريجي من النفط والغاز بشكل عادل . تظهر هذه التجارب أهمية ما يلي:

o          وضع أهداف طموحة تتوافق مع اتفاقية باريس من خلال عملية واضحة، مع آليات تمويل وتنفيذ وتعاون مختلفة في مجال الطاقة، وتوضيح الإطار الزمني المطلوب لسنّ التوصيات في صيغة تشريعات.

o          اعتماد نهج شامل، مع تمثيل النساء والشباب والأقليات الممثلة تمثيلًا ناقصًا.

o          الحفاظ على توازن القوى بين مختلف الجهات الفاعلة، والاعتراف بالأهمية المركزية لمطالبات حقوق الإنسان، بما في ذلك حق الناس في الطاقة وسبل العيش اللائقة والبيئة الصالحة للعيش، وكذلك الحق في الأرض أو الموارد الأخرى للمجتمعات التي قد تتأثر بالمشاريع المتجددة.

o          ضمان شفافية هياكل صنع القرار والعمليات المؤسّسية مع توفير الفرص للمداولات المُحافظة على الخصوصية.

o          السعي إلى التغييرات الهيكلية، بدلاً من التركيز فقط على الآثار الاقتصادية. من المهم تحديد المجتمعات المتضررة وإشراكها والنظر في الآثار الجندريّة المُهمَلة حتى الآن للتخلص التدريجي من النفط والغاز.

o          التأكيد على أهمية سياسات المناخ الطموحة للحكومة والتزامها بتحقيق انتقال عادل من خلال مساعدة المناطق والمجتمعات المتضررة.

o          حشد المساعدة المالية والتقنية والإدارية الدولية لدعم انتقال عادل لا يترك أحداً يتخلف عن الركب.

o          أخيرًا، لضمان استمرارية أعمالها على المدى الطويل، يجب على شركة النفط المملوكة للدولة ’سوناطراك‘ إجراء تحليل شامل للمخاطر لأي استثمار نفطي مستقبلي، كما ينبغي عليها أن تفكّر بجدية في فرص أعمال الطاقة المتجددة.

الخلاصة:

تعكس حالة الجزائر ومخاوفها وضعية عديد البلدان النفطية والغنيّة بالغاز حين واجهت الانتقال الطاقيّ العالمي المطلوب. أضاعت الجزائر عدّة فُرص لامتطاء ركب الانتقال الطاقيّ بسبب عدم إعطاء نخبتها الحاكمة الأولوية لهذا الملف إلّا مُؤخَّرًا. في ظلّ هذه الأزمة الاقتصاديّة العالميّة ستُعاني البلاد في سبيل تمويل الانتقال الطاقيّ وفي نفس الوقت تجنّب تدهور للظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة (بما في ذلك الحفاظ على إمدادات الكهرباء المدعومة للشعب). يعتمد السلام الاجتماعي فعليًّا على طاقة منخفضة التكاليف.

بالإضافة إلى هذه القضايا المحلية، قد يؤدي التحول العالمي في مجال الطاقة إلى فرض ضغوط إضافية على البلاد. بصرف النظر عن التأثير المباشر على شركة النفط والغاز الوطنية وموظفيها وعائلاتهم، قد يؤدي التحول العالمي للطاقة إلى انخفاض عائدات تصدير النفط، والانهيار الاقتصادي، والإفقار للعديد من الجزائريين.

تركّز الاتجاهات النيوكولونياليّة العالمية لانتقال الطاقة، ولا سيّما سياسات التصدير الخضراء المتمحورة حول الاتحاد الأوروبي، بشكل أساسي على دعم التحوّل الأخضر على المستوى الأوروبي، وذلك على حساب الموارد منخفضة التكلفة والعمالة بخسة القيمة في بلدان الجنوب. إنّ من شأن إعطاء الأولوية لتصدير الطاقات المتجدّدة والهيدروجين الأخضر (على سبيل المثال) إعاقة انتقال الجزائر، لأنّ الاستراتيجية الموجهة للتصدير ستأخذ عندئذ الأسبقية على معالجة تحدّيات الطاقة المحلية والاقتصاد. إذا اُسْتُخدمت الأموال المحدودة المُخصَّصة لانتقال الطاقة في الجزائر لبناء و/أو تجديد البنية التحتية للتصدير، فإنّ ذلك سيعيق قدرة البلاد على تلبية متطلبات التحول في الطاقة المحلية. إذن عوضًا عن التركيز على الصادرات، من المنطقي والعادل إعطاء الأولوية لاحتياجات انتقال الطاقة المحلية، بدلاً من (على سبيل المثال) تصدير الهيدروجين الأخضر لأوروبا اقترانًا باستهلاك الوقود الأحفوري داخل الجزائر.

يتطلب الانتقال العادل تجاوز مجرّد التحول إلى تكنولوجيات الطاقة الخضراء، ليشمل أيضًا ضمان حماية موظفي قطاع النفط والغاز وعائلاتهم، فضلاً عن توفير المهارات اللازمة لإدماجهم في سوق العمل الأخضر. كما يتطلب ضمان وصول الجميع لطاقة ثابتة بأسعار معقولة، والتعافي من جميع الآثار السلبية للنمط الاستخراجي على الاقتصاد، وعلى المجتمع والسياسة والبيئة. أهمّ شيء، لتجنّب أن يكون الانتقال مجرّد تحوّل من استخراجيّة أحفوريّة « بنّية » إلى استخراجيّة « خضراء » متجدّدة، فهناك حاجة ماسّة لحماية حقوق الأرض والموارد للمجتمعات التي تعيش بالقرب من مواقع الطاقة المتجدّدة.

في حين تحتاج مشاركة القطاع العام في الانتقال الطاقي إلى التعزيز، يجب أيضًا تحسين طُرق إدارة مؤسسات هذا القطاع العام، إذ ينبغي أن تكون أكثر شفافية وخضوعًا للمساءلة. وفي نهاية المطاف، هناك حاجة إلى سياسات وآليات أفضل فيما يتعلق بالتوزيع العادل للثروة الوطنية وسد الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، فضلاً عن قطاع طاقة أكثر ديمقراطية يسمح للجزائريين بالمشاركة بنشاط في تحديد مستقبلهم وإيجاد حلول حقيقية لمشاكل الطاقة الخاصّة بهم.

أولاً وقبل كل شيء، يجب أن تلتزم الجزائر بمبادرات المناخ وأن تضع أهدافًا عالية المستوى لخفض الانبعاثات، ويجب أن ترفض أيّ استثمارات مستقبلية لا تتوافق مع اتفاقية باريس. بعد ذلك، يجب أن تكون الخطوة التالية هي الإعداد الشامل للتخلّص التدريجي من الوقود الأحفوري والتخلي التدريجي عن الكربون في قطاع الطاقة.

لتجنّب الانهيار الدراماتيكي للاقتصاد الجزائري، سيتطلب التخلص التدريجي المخطَّط والعادل من صناعة الوقود الأحفوري تعاونًا دوليًا. أخيرًا وليس آخرًا، هناك حاجة إلى تواصل عام فعاّل فيما يتعلق بقضايا الطاقة الحالية والمستقبلية، فضلاً عن المخاطر الاقتصادية التي تواجه قطاع النفط والغاز، لتعزيز استعداد الشعب الجزائري للقبول والتعاون بخصوص الإجراءات اللازمة للتخفيف من المخاطر الاقتصادية التي ينطوي عليها الانتقال الطاقيّ.

إيمان بوخاتم: باحثة في سياسة الطاقة ومُدافعة عن الاستدامة. مثّلت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كسفيرة للمناخ في الشبكة العالمية الشبابية للمناخ ومنظمة طلاب الطاقة وفي المنظمات العالمية التي يقودها الشباب والتي تعمل على تمكينه من التخفيف من تغيّر المناخ وتسريع الانتقال إلى نهجٍ مستدام ومستقبلِ طاقة عادل. يركّز بحث الدكتوراه الخاص بإيمان على الدور المحتمل للهيدروجين الأخضر في انتقال الطاقة في الجزائر.