لمصلحة من تغذية الاتجاهات العنصرية بين الجزائريين؟ (د. خالد عبد السلام) - Radio M

لمصلحة من تغذية الاتجاهات العنصرية بين الجزائريين؟ (د. خالد عبد السلام)

Info Radio M | 20/08/21 19:08

لمصلحة من تغذية الاتجاهات  العنصرية بين الجزائريين؟ (د. خالد عبد السلام)

ا.د خالد عبد السلام قسم علم النفس وعلوم التربية والأرطفونيا. جامعة سطيف 2  

عاش الجزائريون صدمة كورونا وما تركته من آثار نفسية، عقلية واجتماعية إلى صدمة نقص الاكسجين وما ترتب عنها من وفيات جماعية امام مرأى الاطباء والاهل، إلى صدمة الحرائق في مختلف مناطق الوطن خاصة في خنشلة، تيزي وزو بجاية سكيكدة والطارف وغيرها والتي ترتبت عنها حرق الحرث والنسل والزرع والحجر والشجر، إلى الصدمة المروعة المتمثلة في الجريمة الهمجية الوحشية اللاإنسانية التي راح ضحيتها شاب في مقتبل العمر جاء الى اخوانه الجزائريين ليقدم لهم يد المساعدة لإطفاء النيران لا سيما نار الألم والحزن الذي تسببت فيه النيران لمساكنهم وممتلكاتهم ومزارعهم وأفراد عائلاتهم فوجد نفسه مغدورا من قبل وحوش بشرية بلا ضمير ولا رقيب ولا مشاعر، رحمة الله عليه وأسكنه فسيح جنانه. ومن خلالها نسي الجزائريون كل الصدمات السابقة.

    فالذي خطط ودبر لتلك الجريمة الفظيعة والمروعة يبدو أنه يفهم جيدا سيكولوجية الانسان وسيكولوجية الجماهير وعرف كيف يحدث زلزلا قويا في وجدان الناس باختياره للزمان، المكان، فظاعة الجريمة، نوعية الضحية مع الظروف النفسية المشحونة بالغضب والخوف والقلق وكل انواع الضغوط التي تسبب فيها فيروس كورونا من خلال الوفيات الجماعية وأزمة الاكسجين من جهة، وحرائق الغابات لكل ممتلكاتهم ومزارعهم وبيوتهم من جهة أخرى، حيث أصبح الكثير من المواطنين المتضررين في حالة من التنويم المغناطيسي، لهم القابلية للإيحاء.

  علما ان مثل هذه الاعمال الاجرامية الفظيعة لم يسبق وان شاهدها الجزائريون مباشرة بالشكل الذي عرضت في شبكات التواصل الاجتماعي، ولم يسبق وان صور المجرمون أفعالهم الدنيئة والوحشية بهذا الشكل، أين أظهروا وجوههم المكشوفة، اصرارهم، قصدهم، وحقدهم، دون خوف ولا تردد ولا تأنيب للضمير.

  فهي جريمة صادمة، أفجعت وأحرقت قلوب كل الجزائريين في كل مناطق الوطن بما فيها كل سكان المنطقة وخاصة اهل القرية التي وقعت فيها الجريمة الشنعاء، باعتبارها جريمة ستبقى مسجلة عليهم عبر التاريخ كوصمة أريد الصاقها بهم.

 الجريمة وقعت وادينت وطنيا، لما التحريض على الكراهية والعنصرية؟

لكن الغريب في الأمر ان الجريمة الشنعاء والوحشية، المدانة بكل قوة وحزم ولا تردد، التي لا تقبل أي تبرير، قد وقعت وعمل المؤسسات الأمنية في التحقيق قد بوشر فيه لكشف ملابساتها، خلفياتها مدبريها ومنفذيها والمتواطئين معهم. إلا أن تبعاتها كشفت لكل مختص ومهتم بشؤون المجتمع بحقائق خطيرة حول حجم مخزون العواطف السلبية الدفينة لا سيما، مستوى التعصب، الاستعدادات العنصرية، الأحقاد والكراهية التاريخية، العرقية، الثقافية، والجهوية الدفينة في اللاوعي الجمعي لدى شريحة معتبرة من الجزائريين اتجاه سكان المنطقة التي وقعت فيها الجريمة من خلال ردود أفعالهم التحريضية على الانتقام والعنف، ونفخهم في الكير بالاستثمار في الجريمة والمتاجرة بها ايديولوجيا وعرقيا وجهويا بنوايا وأهداف مشبوهة، آنية وبعيدة المدى. وهي ردود أفعال لها دلالات نفسية متعددة كإشباع نزواتهم العنصرية والتشفي عليهم والشماتة بما حدث عندهم. حيث بينوا وكأنها بالنسبة إليهم فرصة لا تعوض لنشر سمومهم وخطاباتهم الحاقدة ضد كل سكان المنطقة الجزائرية لتأليب الجزائريين ضد بعضهم البعض للانتقام منهم محاولين تحميل المسؤولية الجنائية، الأخلاقية والاجتماعية لكل سكان المنطقة دون استثناء. بالرغم أن هذه الهستيرية الفكرية المرضية وغير السوية تتناقض مع العقل والمنطق، ومع الشرائع الدينية والنصوص القانونية الجزائرية والدولية كما بين الله سبحانه وتعالى في سورة فاطر/18: « لا تزر وازرة وزر أخرى، وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ۗ « ، فلا تٌحمّل نفس مذنبة ذنب نفس أخرى. حيث استعمل هؤلاء عبارات، منشورات وفيديوهات تحريضية مفضوحة ومكشوفة يفترض ان يتابعوا عليها وفق قانون مكافحة التمييز وخطاب الكراهية لتهديدهم للسلم الأهلي والامن الاجتماعي، ودفع مكونات المجتمع الجزائري إلى إحداث صدمة أكبر وأخطر وهي صدمة الحرب الأهلية العرقية والجهوية لإحراق الوطن بكل أهله ونسله وزرعه وشجره وحجرة وبقره.

   وبالتالي أظهر هؤلاء انهم مشبعون بالاستعدادات العنصرية، ويتصرفون إما من تلقاء أنفسهم وبعصبياتهم تحت تأثير مكبوتاتهم، وعقدهم الداخلية وأحكامها المسبقة، وإما انهم مهيكلون في أحزاب وتيارات أيديولوجية لها حسابات سياسوية، لغوبة، ثقافية، تاريخية مع سكان المنطقة، وإما انهم مأجورون تغذيهم جهات اجنبية عبر صفحات الذباب الالكتروني، وغيرها من الاحتمالات، وأنهم يدركون جيدا أن الفتنة العرقية في الجزائر هي الأنسب والأصلح وهي نقطة الضعف فيها، حيث تجتمع فيها كل العصبيات العرقية، الايديولوجية، الثقافية واللغوية والجهوية، وأهدافها بعيدة المدى لذلك تستغل مثل هذه الفرص والمنعرجات التاريخية لتشحين اللاوعي الجمعي بمثل هذه الاتجاهات العنصرية والتعصبية لتفجيرها في اللحظات المناسبة مستقبلا. وهي جريمة تشابه كثيرا جريمة اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري سنة 2005 في وسط لبنان.

  توطئة حول جذور الاتجاهات العنصرية لدى الجزائريين

   لو حاولنا التعرف على جذور هذه الاستعدادات والاتجاهات العنصرية لدى بضع الجزائريين سواء كانت أمازيغية او عروبية سنجد أن التعصب اللغوي، الثقافية والايديولوجي والعواطف السلبية الدفينة المخزنة في اللاشعور الجمعي قد رٌوضت عليها شعوبنا عبر خطابات الكراهية، بالتمييز والاحتقار لبعضهم البعض بممارسات الكولون في العهد الاستعماري الفرنسي في إطار سياسة فرق تسد، وبعد الاستقلال نجد خيار الأيديولوجية القومية العروبية لسلطة الحزب الواحد قد ساهمت في تعزيز وتطور التعصب والعنصرية البربرية في منطقة القبائل والشاوية، وبعدها غدتها مواقف وتصريحات وخطابات الكثير من السياسيين وبعض المثقفين المأجورين والجامعيين المتحزبين والمتأدلجين في الحملات الانتخابية والمناسبات السياسية، الثقافية والوطنية والتاريخية، ودعمتها أجنحة السلطة في اطار سياسة الالهاء للشعب بقايا وصراعات وهمية، لكنها تركت بصماتها على بعض الشرائح الاجتماعية معتبرة (ضحايا تلك الخطابات والمورثات التعصبية).

    وبظهور التكنولوجيات المعاصرة في غياب حرية الاعلام والاتصال الرسمية، وجد الكثير من الناس، المثقفين، المتعلمين وعامة الناس فضاءات للتعبير الحر دون رقابة ولا ضوابط ولا أخلاق وقيم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لتفريغ مكبوتاتهم، عقدهم، أحقادهم، غضبهم، عصبياتهم واتجاهاتهم العنصرية التي كانت دفينة وتظهر من حين لآخر على شكل سلوكيات، كالسب والشتم والتخوين لحظات الانفعال خاصة خلال مباريات كرة القدم والمنافسات الرياضية او في المجالس الخاصة في المقاهي والشوارع في ظروف نفسية واجتماعية او سياسية معينة. حيث كشف المنشورات، التصريحات النارية والتحريضية عبر شبكات التواصل الاجتماعي أن هؤلاء سيطر عليهم منطق الانسان المقهور والمهزوم التعيس ضعيف الرؤية والبصيرة الذي يتجاوب ميكانيكيا مع كل الدعوات الى الدخول في صراعات وهمية، يتلذذ من خلالها باستعداء المقهورين مثلهم من الجزائريين والذين يعتقدون أنهم هم مصدر تعاستهم وأحزانهم وخيبات أملهم. وهي كلها مؤشرات ودلالات عن وجود اضطرابات في البنية النفسية، الفكرية، الثقافية والاجتماعية لدى الكثير من الفئات الاجتماعية خاصة الطبقة المثقفة والجامعية والتي تتطلب دراسات علمية عميقة وجرئية لتشخيصها ومعالجتها قبل ان تتحول الى بركان جارف مستقبلا.

  الجريمة كشفت عن عورات الكثير من المثقفين

   لقد كشفت الجريمة الوحشية عن حقيقة مستوى الوعي والحس المدني والحضاري لدى الكثير من المثقفين والجامعيين في المجتمع الجزائري من كل مناطق الوطن دون استثناء، فأظهرت طينة ومعدن كل واحد وما كان يخفيه، حيث رفعت الأقنعة عن عوراتهم الفكرية، النفسية والثقافية، عقدهم واحقادهم الدفينة وفكرهم الصبياني. كما بينت مستوى عجز هؤلاء عن التفكير خارج القوالب الجاهزة التي تصنعها لهم وسائل الاعلام والذباب الالكتروني عبر شبكات التواصل وعدم قدرتهم على التفكير بعيدا عن منطق القطيع.

   إلى جانب ذلك لاحظنا من خلال طبيعة الردود عدم قدرتهم على ضبط النفس، وضعف علو الهمة، التفكير بالحكمة والرزانة التي تليق بمستواهم العلمي. حيث انجروا وراء منطق القطيع وانخرطوا في حملات التشفي، السب والشتم والاتهام بنفس منطق وأسلوب عامة الناس. فبدل تعاليهم بفكرهم وعلمهم بالسعي إلى محاولة فهم ملابسات الجريمة، خلفياتها، دوافعها وأبعادها والمساهمة في معالجتها والآثار المترتبة عنها من خلال تحويل الام الناس واحزانهم الى آمال عملوا على تعميق جروحهم ومآسيهم بخطاب الكراهية الذي قد يتبلور معرفيا بمرو الزمن وتتحول الى تمثلات ذهنية وبنية معرفية تغذي بشكل إيجابي عواطف الناس بالاتجاهات التعصبية والعنصرية، تتراكم بمرور الزمن ككرة الثلج لتصبح ثقافة مجتمعية، قد تطفو على السطح في أي مناسبة خلافية أو صدامية على شكل أعمال عدائية، انتقامية او إجرامية ولقدر الله قد تنفجر على شكل حرب اهلية عرقية أو جهوية في اللحظة الحرجة التي يشعل شرارتها المحترفون في صناعة الحروب والفتن في بلدنا وخارجه ان لم نعالج مسبباتها ودوافعها اليوم قبل الغد.

 موقف والد الضحية والاستثمار في الجريمة:  

    فبالرغم من موقف والد الضحية وعائلته الذي اظهر للعالم أن علقه يزن بلدا بحكمته، رزانته شهامته، قدرته على ضبط انفعالاته وعواطفه، مع روح المسؤولية العالية ونظرته المستقبلية وادراكه لعواقب الامور بحسه الأخلاقي، الإنساني والوطني بأن مصلحة الوطن بتلاحم، تضامن وتعايش الجزائريين (رغم هول وألم الصدمة جراء السلوك الوحشي الهمجي اللاإنساني الذي راح ضحيته فلذة كبده) أكبر بكثير من أي شخص مهما كانت قيمته ومكانته، وبذلك أوقف أكبر جريمة أراد مرتكبي الجريمة الشنعاء إيقاع الجزائريين فيها. إلا ان هناك عدة جهات في الداخل والخارج ماتزال تستثمر فيها عبر شبكات التواصل الاجتماعي وخاصة الذباب الالكترونية بأسماء مستعارة ووهمية لتشحين الكراهية والأحقاد والتمييز العنصري بين الجزائريين بكل الطرق والوسائل والأساليب الخبيثة.

  والمعروف في التفكير العلمي ان الاستثمار في الجريمة البشعة وتوظيفها بهذا الشكل السلبي يظهر وجود مستفيدين وقد يؤشر للمدبرين الحقيقيين الذين يخططون لما هو أكبر وأخطر على المدى المتوسط والبعيد. ان لم نتخذ كل الاحترازات والإجراءات لاستيعاب الموقف والتحكم في الوضع ومعالجة اضرار وتبعات ما بعد الجريمة.

الازمة يفترض انها تلد الهمة والحكمة:

  إن الأزمات والمصائب والجرائم والاحداث الخطيرة مهما كانت بشاعتها ووقعها الأليم على النفوس كما عاشته الكثير من الشعوب والأمم لا سيما جنوب افريقيا، لبنان، كونغو الديمقراطية السودان العراق وغيرها، يفترض ان تلد فينا الهمة والعزيمة للتفكير في كيفية افشال أهدافها وتبعاتها الخفية والمعلنة. وتتطلب منا جميعا خاصة النخبة المثقفة والجامعيين، الثبات، الرزانة، الهدوء وضبط النفس، وعدم الانجرار وراء الانفعالات والعواطف الهوجاء، وعدم الدخول في القوالب الفكرية الجاهزة التي تصنعها وسائل الاعلام ومحترفي التلاعب بالعقول عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وعدم التصرف كما يتصرف عامة الناس الذين ينقادون ويتفاعلون مع المظاهر الخارجية للأحداث والظواهر دون فهم لأبعادها، اخطارها وتبعاتها، حتى لا يتشوش تفكيرنا وبصيرتنا وبالتالي التصرف بإيجابية لما يجب فعله، والتفكير في الحلول المناسبة لحجم الازمات التي نعيشها في بلدنا؟

  ويفترض أيضا ان مثل هذه الأزمات والجرائم ان تخلق الحيرة والفضول العلمي لدى المفكرين المثقفين والباحثين الجامعيين للتجنب لدراستها لفهم جذورها، دوافعها خلفياتها وأبعادها وتبعاتها واخطارها ثم محاولة معالجتها والتخفيف من آثارها النفسية، العقلية، السلوكية والاجتماعية على الأجيال الناشئة.

  لنتساءل ونفكر سويا بكل جرأة ومسؤولية:

     ان الازمات المتراكمة علينا تتطلب منا التساؤل بكل موضوعية واحترافية بعيدا عن التفكير الميكانيكي الذي يميز عقول عامة الناس، وبعيدا عن الاستنتاجات الخاطئة لبعض العقول المحشوة بالخلفيات والاحكام المسبقة المتأثرة بالعواطف السلبية اتجاه كل ما يكتب من تحاليل، قراءات ومحاولات توعية الناس بالأخطار والتبعات حول الاحداث الأخيرة، خاصة وان المناخ النفسي لما بعد الجريمة مازال مشحونا بخلفيات واحكام مسبقة وجاهزة لدى الكثير من الناس والتي تجعل فهمهم مشوشا وملوثا بها. فكل الجزائريين متفقون على أن الجريمة مهما كان بساطتها وبشاعتها لا تبرر ولا تخفى ولا يسكت عنها، والجميع يطالب بمحاسبة معاقبة كل المجرمين وتحقيق العدالة لروح المغدور به جمال رحمة الله عليه وكل من أشعل النيران وتسبب في كل الخسائر البشرية، الحيوانية، النباتية والمادية بكل صرامة.

    وعليه يجدر بنا التساؤل، ألم نعش من قبل جرائم مرعبة ومروعة وبشعة خلال سنوات تسعينيات القرن الماضي إلى اليوم؟ هل توقفت الحياة عندها؟ وهل يحق لنا أخلاقيا، قانونيا وانسانيا الاستثمار والتوظيف لمثل هذه الجرائم كل على حسب هواه لتصفية حساباته الشخصية، الأيديولوجية، او العرقية، او الجهوية أو الدينية او المذهبية لتوليد جرائم أخرى أعظم منها كالحرب الاهلية، أم أننا نعمل على اخمادها وافشال أهداف مدبريها؟

 فرضا، لو سلمنا جدلا أنه كلما حدثت جريمة بشعة في أي مكان بالجزائر، وكل مرة تخرج مجموعة بشرية من قوم ابليس يحملون المسؤولية لكل سكان تلك المنطقة التي وقعت فيها الجريمة ثم يحرضون الناس على كراهيتهم جميعا دون استثناء ووصفهم بأقبح الاوصاف لدفعهم للانتقام منهم جميعا، ماذا سينتج عن ذلك؟ أليست جرائم أكبر وأعظم تأتي على الأخضر واليابس؟  فالمنطق والعقل يقول غير ذلك، فمن هو هذا الانسان الذي يفرح بالجريمة ويستثمرها ويوظفها، إن لم يكن مأجورا ولديه اهداف يعمل من اجلها أو مريضا يتشفى على سكان مرتكبيها؟ لنتذكر سويا، فمن منا أعجبته مجازر التسعينيات وهولها التي راح ضحيتها الآلاف من الجزائريين الأبرياء؟ ومن منا كان مرتاحا للخوف والهلع الذي عشناه سنوات التسعينيات في كل ربوع الوطن؟ ومن منا أعجبته جريمة اختطاف وقتل الاطفال الأبرياء والتمثيل بجثثهم؟ ومن منا اعجبته جرائم الاصول التي تحدث يوميا في كل مناطق الوطن والتي يقتل فيها المجرم أمه وخالته ثم يقوم بحرق جثتيهما؟  ومن منا يفرح

ويتشفى لمقتل الطالبة الجامعية والتنكيل والتقطيع لجثتها ثم رميها في القمامة؟ هل يقبل أي مسلم عاقل استغلال مثل هذه الجرائم لتأجيج الناس وتشحين مشاعرهم وعواطفهم بالكراهية والاحقاد ضد كل سكان تلك المناطق التي وقعت فيها الجرائم؟ لمصلحة من تأزيم وتعفين الوضع أكثر؟ ولمصلحة من الانجرار وراء العصبيات الجاهلية العرقية الجهوية والثقافية؟ وإلا فما الفرق بين عصبية او عنصرية ووحشية مرتكبي الجريمة الشنعاء وعنصرية الذي يتشفى ويحرض الناس على الكراهية لدفعهم لارتكاب جرائم أخرى مماثلة لها؟ ولمصلحة من الدخول في صراعات وهمية ونحن في غنى عنها؟

  ما هو دورنا كمثقفين وباحثين جامعيين؟ 

     هل دورنا ان نبارك أو نسكت أو نصفق لهذا ضد ذاك بمنطق المناصرين لرفق كرة القدم للتشفي والفرح بما أصاب هذا او ذاك؟ أم أن أدوارنا أعلى وأكبر من ذلك بالمساهمة الايجابية والعمل على محاربة كل أشكال الجريمة وخاصة جريمة فيروس أنفلونزا الكراهية والتعصب والاتجاهات العنصرية التي بدأت تظهر اعراضها في مجتمعنا بمعالجة جدورها ودوافعها الفكرية العقائدية والنفسية، الاجتماعية والاقتصادية بطرق علمية لنظهر للناس حكمتنا وذكائنا وبصيرتنا في مثل هذه الظروف والمحن الصعبة وتجنيب بلدنا أزمات أخرى أعمق وأخطر؟

  ه ل دورنا ومسؤولياتنا الانتصار للحق بطلب تطبيق القانون وتحقيق العدالة لروح المغدور به ام الانتصار للعصبيات والاتجاهات العنصرية والتعصبية؟ وهل دورنا كمثقفين وجامعيين ومواطنين صالحين ومتدينين هو المساهمة في تغذية العصبيات الجاهلية المنحرفة لحدوث فتن وجرائم ومجازر أو حرب أهلية أم دورنا هو المساهمة في ضبط الامور والتعاون على اخماد لهيب الأحقاد والانفعالات وافشال الأهداف الخفية لكل جريمة؟  

  ونتساءل أيضا هل شعبنا ووطننا مستهدف لإحداث حرب أهلية بيننا عن طريق مشروع تنمية الاتجاهات العنصرية بتغذية الكراهية العرقية (امازيغ وعرب) والجهوية (شمال جنوب) وايديولوجية (اسلامي علماني) ام لا؟ ألا يعتبر فيروس انفلونزا الكراهية بكل أشكالها مقدمات منطقية للعنف والاجرام على غرار ما حدث في الكثير من الدول العربية والافريقية (لبنان، جنوب افريقيا، العراق سوريا والكونغو الديمقراطية؟

    أليس حري بنا أن نتعلم من التاريخ ومن تجارب الشعوب الاخرى، ونثقف شعبنا بنماذج عن دوافع الحروب الأهلية التي وقعت في العالم ونظهر لهم كيف تم تغذيتها والتحريض عليها وكيف انطلقت من خلال الاستثمار في أبسط الجرائم من قبل صناعة الحروب بوسائل الاعلام من خلال آلية الدعاية، الاشاعة، فبركة الصور والفيديوهات وصور الفوتوشوب وغيرها؟

  ماذا تستفيد أيها المثقف والجامعي عندما تظهر عداوتك وحقدك وكراهتك وحقيقة طينتك الملوثة والمريضة ضد فلان او علان مهما كان اختلافك معه؟ ألا يعني ذلك أنك تظهر عورتك، تخلفك وزيف تدينك وضعف بصيرتك في التفكير لأنك انخرطت كأداة مجانية لتحقيق اهداف مشروع لم تخطط له انت؟

أليس التعصب، الكراهية، والعداوات سلوكيات وخصائص لشخيصة غير سوية او ميزات لشخصية سيكوباتولوجية؟

أليس الاستثمار في الجريمة هو جريمة أكبر وأخطر بانخراطك في دفعك الناس الى الاقتتال لإحراق الوطن بأكمله؟

    أليست تغذية الكراهية والعداوات بين أبناء الوطن هو تغذية للعنصرية والنزعة الانفصالية لدى بعض المأجورين الذين يستثمرون في مثل هذه الخطابات المعادية لإقناع غيرهم بصدقية حججهم وطروحاتهم وأفكارهم المنحرفة؟

  إن دورنا كمثقفين وجامعيين هو التفكير العلمي لفهم أسباب، دوافع وعوامل ظهور هذه الازمات والجرائم والحوادث التي تقع امامنا ونعيشها يوميا لمحاولة معالجتها وتحصين مجتمعنا منها ومن تبعاتها على المدى القريب المتوسط والبعيد.

    إن ما يحدث حولنا ليست امورا بالبساطة التي يعتقدها بعض الناس، بلدنا يعيش ازمات معقدة ومتعددة الابعاد، ويحيط بها عالم لا يرحم متعطش للسيطرة والهيمنة على كل خيراتها، وبالتالي فمشروع سودنة الجزائر لا نستبعده في دوائر الفكر الاستعماري، ان لم نتعاون ونساهم في معالجة كل خلافاتنا بطرق ديمقراطية، وإلا سيسجل التاريخ أننا كنا مشاركين او متواطئين في حدوث جرائم اخرى قد تحدث لاحقا بأفكارنا ومواقفنا السلبية أو بتحريضنا وانخراطنا في أفكار الدهماء وعامة الناس وفي كل ما تروج له بعض الدوائر المحترفة في التلاعب بالعقول عبر وسائل الاعلام وشبكات التواصل الاجتماعي بالذباب الالكتروني. هل نتعلم؟ هل نتفطن ونستفيق من غفلتنا؟ التاريخ سيحكم على الجميع.

بجاية يوم 18 أوت 2021

Auteur