كيف انبرى علي يحيى عبد النور لبناء مصير جديد في عقده السادس فغيّر التاريخ - Radio M

كيف انبرى علي يحيى عبد النور لبناء مصير جديد في عقده السادس فغيّر التاريخ

Info Radio M | 12/05/21 18:05

كيف انبرى علي يحيى عبد النور لبناء مصير جديد في عقده السادس فغيّر التاريخ

 بقلم القاضي إحسان

ترجمة تملالي منصف

نعرف العمل العظيم فماذا عن الدرب والمسار؟

هذه، موجزة، قصة الحياة الأولى لعلي يحيى عبد النور، وقصة كل المخاضات التي حبلت منها الأسطورة٠ 

عندما التقيته لأول مرة، كان ذلك في سجن الحراش، وتحديدا في بهو الزيارات. لم أكن أتجاوز حينها 22 عامًا، وكان هو في عقده السادس. حدث ذلك في جوان 1981 ٠  كنا 22 طالبًا رهن الاعتقال على خلفية أحداث النسخة الثانية من الربيع الأمازيغي، وكان هو عميد مجموعة محامين تولوا الدفاع عنا٠  أما آخر مرة التقيته فيها مطولا «وليس على الهاتف فحسب» فكانت في مارس 2018، بمناسبة آخر حوار إعلامي كبير له٠  كان يتحدث عن كتابه الأخير «وصيتي عن الحريات» وعن خططه المستقبلية، وبالطبع عن الجزائر٠  بين اللقاءين وُلدت وترعرعت، على مدى 40 عاما، أسطورة علي يحيى عبد النور، الذي يُشيدُ الجميع اليوم بنضاله الطويل من أجل حقوق الإنسان في الجزائر٠ 

صورته التي ارتسمت في مخيلتي سنة 1981، عن رجل ودود وهزيل بصوت مرتعش قليلا، يخوض صراعا للسيطرة على مرض سكري من النوع المعقد (صراع نجحت فيه بأعجوبة على امتداد فترة طويلة ابنته سامية الدكتورة المختصة في هذا الداء) ما كانت لتشي بمستقبل الأحداث٠ 

لكن حياة من كافح عن المعتقلين السياسيين في أوائل الثمانينيات كانت على أعتاب مرحلة جديدة سَيُوَّرِثُهَا بالأساس لأجيال عديدة من الجزائريين توّاقة للحقوق المدنية وكرامة الإنسان٠ 

من حياته الأولى هذه ومن معاركه الأولى سيستخلص علي يحيى عبد النور بتؤدة الدروس التي جعلته يشيّد، بعزيمة لا تكل، سلطة مضادة في الجزائر أساسها قيم الانسانية والمواطنة٠  ليس بوسع أي كان أن يعيد صياغة قدره في عقده السادس وينجب جيلا جديدا وهو في الستين.  حسنا،  فليعلم الجميع الآن أن ذلك ممكن، شريطة أن تكون الحياة الأولى للمرء منجما هائلا من التجارب البشرية، وأن يحدوه عقل متعطش للمعرفة وروح كريمة جوادة٠

علي يحيى عبد النور أُوتي كل هذه الخصال٠

مسيرة فذّة

 إن تقلبات الحال في حياة علي يحيى عبد النور، قبل التزامه العلني بالنضال عن حقوق الإنسان في الجزائر، أمر يبعث على الذهول٠

كان في الثانية والعشرين عندما زُج به في كتائب شمال إفريقيا ليشارك في إنزال بروفانس في 15 أوت 1944، ويُقلَّد وسام البطولة٠ 

بعد تسريحه من الجندية، انخرط في حزب الشعب، وعكف على التخطيط لانتفاضة ماي 1945 قبل أن يصل أمر مضاد إلى منطقة القبائل بالتراجع عنها٠ 

كان محسوبا على الإطارات الشابة التي كونها الحزب والتي كانت قد أخذت وهي منضوية تحت جناح الدكتور لمين دباغين، تزحزح الحرس القديم، وتدفع بالنضال في اتجاه الكفاح المسلح٠ 

ترك حزب الشعب الجزائري وحركة انتصار الحريات الديمقراطية في 1949 بعد حملة التطهير التي مست المناضلين المؤيدين لتعريفٍ للهوية الجزائرية لا يضحي بأمازيغيتها٠ 

في 2013، كَرَّمَ في كتاب صدر له كل من المناضليْن بناي وعلي  وعمار ولد حمودة، القيادييْن القبائلييْن في حزب الشعب/ حركة انتصار الحريات الديموقراطية، اللذيْن أبعدا خلال ما عرف بالأزمة البربرية، ثم صُفيا جسديا في 1956 و1957 على يد لجنة التنسيق والتنفيذ لجبهة التحرير الوطني٠

بعد سنوات قضاها في التدريس والنضال النقابي في الجزائر العاصمة، انضم إلى جبهة التحرير في 1955 ليكون أحد الأعضاء المؤسسين للاتحاد العام للعمال الجزائريين في 24 فيفري 1956، جنبا إلى جنب مع عيسات إيدير٠ 

اعتقله الجيش الاستعماري وسُجِنَ في كل من معتقل الضاية جنوب ولاية سيدي بلعباس وبوغزول في

عين وسارة٠  بعد الإفراج عنه في 1961، التحق بتونس العاصمة حيث واصل في صفوف الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية تأطيرَ الثورة سياسيا ونقابيا٠ 

غداة الاستقلال، كان رصيد علي يحيى عبد النور يختلف تماما عن رصيد قادة جبهة التحرير الوطني٠  الرجل الذي عرف النضال في 1945 وتدرب على السلاح كان مؤهلا تماما لقيادة أحد معاقل الثورة مع اندلاعها٠  لكن كُتب له قدَر آخر، ليخوض النضال النقابي والاجتماعي للحركة الاستقلالية٠  سرعان ما التحق بجبهة التحرير، لكن ليضطلع بمهمة سياسية : تعبئة العمال الجزائريين٠ 

من الجمعية التأسيسية إلى الانشقاق عن جبهة القوى الاشتراكية

 في 1962، كانت قد تبلورت في يحيى عبد النور شخصية مركبة متعددة الأوجه، وحبلى بكل تلك التجارب : من المشوار العسكري إلى التحضير للانتفاضة وصولا إلى العمل النقابي وإلى تعاطفٍ مع المطلب الأمازيغي، تحركه بوصلة الضمير الوطني٠ 

وبحلول جويلية 1963 (اعتقال محمد بوضياف) كان يشارك في اللقاءات مع قادة الولايتين التاريخيتين الثالثة والرابعة لتنظيم المقاومة ضد ما سمي حينها « الانحراف الاستبدادي لحكم الشخص الواحد لبن بلة »٠  بِحُكْمِ قربه من العقيد محند أولحاج، آخر قادة الولاية الثالثة، فقد شارك معه في اجتماع « ميشلي » الذي ولدت من رحمه جبهة القوى الاشتراكية نهايةَ سبتمبر 1963، ونُصِّبَ فيه حسين آيت أحمد قائدا سياسيا للجبهة٠  كان ذلك إيذانا بميلاد حركة معارضة تعتمد خصوصا على محاربين منشقين في الناحية العسكرية السابعة للجيش الوطني الشعبي (تيزي وزو) بقيادة محند أولحاج شخصيا٠  ما بدا موجة ثانية من حرب الإخوة بين الولايات الداخلية لجيش التحرير الوطني من جهة وجيش الحدود من جهة أخرى (صائفة 1962) كان في الحقيقة مأزقا سياسيا تفاقم أمره بين الفاعلين في الأزمة السابقة٠ 

تحت الضغط، صوتت الجمعية التأسيسية (التي كان هو أحد أعضاءها) على دستور استبدادي. تضاعفت الاعتقالات في صفوف المعارضين وتركزت الصلاحيات في يَدِ رئيس الجمهورية الذي كرس سلطته بالاستفتاء الشعبي٠ 

استشاط علي يحي عبد النور سخطا وهو يرى ما آلت إليه الأمور، لكنه في كل مراحل حياته كان يتروى كثيرا في إصدار أحكامه كلما تعلق الأمر « بالمصلحة العليا للبلاد »٠  صوتت قيادة جبهة القوى الاشتراكية بالإجماع على إقرار هدنة أوائل أكتوبر 1963 مع اندلاع حرب الرمال مع المغرب، وأُرسلت كتيبة للقتال الى جانب الجيش الوطني الشعبي على محور بشار/ تندوف.  أيد علي يحيى عبد النور موقف العقيد محند أولحاج في عدم استئناف الأعمال المسلحة لجبهة القوى الاشتراكية عندما سرى وقف إطلاق النار بين الجزائر والرباط٠  في فيفري 1964 استفحل الانقسام، فانضم محند أولحاج إلى الجيش الوطني الشعبي ومعه عدد كبير من الوحدات التي ساهمت معه في تأسيس جبهة القوى الاشتراكية. أما علي يحيى عبد النور فقد قَفَل عائدا إلى الجزائر العاصمة٠  أعقبت ذلك سنوات طويلة من العداء بينه وبين حسين آيت أحمد الذي اختار مواصلة النضال، بما في ذلك النضال المسلح، ضد « الاستبداد الشرقي، الذي ضرب بأطنابه في أعلى هرم السلطة »٠ 

صُبْحٌ جديد بعد الوَزارة

 حينها، بدأت المحطة الأكثر إثارة للجدل في المسيرة الطويلة لعلي يحيى عبد النور٠  ربما هي المحطة التي ألهمته، خمسة عشر عاما من بعد، ليتبوأ مقعد الريادة في الدفاع عن حقوق الإنسان٠  كان عضوا في اللجنة المركزية التي انبثقت عن مؤتمر جبهة التحرير الوطني المنعقد في سينما إفريقيا في أفريل 1964 ٠ امضى علي يحيى عبد النور شوطا بعيدا في مناهضة انفراد أحمد بن بلة بالسلطة. تقلد منصب وزير بين جويلية 1965 ومارس 1968 في أول حكومات هواري بومدين. تعرض لاحقا لتأنيب لاذع سبب ذلك جراء الشرعية التي أضفاها على انقلاب 19 جوان٠ 

قال لي، وهو مستاءٌ بعض الشيء : « الناس لا تعي سياق تلك الفترة. كان قوام الجيش ما زال إلى حد كبير يعتمد على مقاتلي جيش التحرير الوطني، والخلافات داخل جبهة التحرير الوطني لم تعد مقصورة على الشأن العسكري، بل تعدته إلى الشأن السياسي والمدني، وإلاَّ كيف لنا أن نفهم تقلد علي محساس، الصديق القديم لـ بن بلة، حقيبة الزراعة في أول حكومة لبومدين؟ »٠ 

سينتهي الأمر بمحساس مستقيلا من منصبه في 1966، ليخلفه علي يحيى عبد النور بالنيابة، قبل أن يتنحى هو الآخر في مارس 1968 ٠  في خِضَّمِ ذلك، عاد الانقسام بين مقاتلي الداخل وجيش الحدود، ليُقَّوِضَ أركان النظام الناشئ لهواري بومدين٠ 

في عام 1997 أسّر لي علي يحيى عبد النور، بعد مقال نُشِرَ في جريدة الوطن، أنه كان في عداد من أحيطوا علما بالتمرد الذي كان يعد له في خريف عام 1967 جنود من ولايات الداخل، ضد مجلس الثورة الذي اسْتحوذَت عليه « جماعة وجدة » المدعومة بالفارين من الجيش الفرنسي الذين كانوا يؤطرون الجيش الوطني الشعبي وكانت لهم حظوة خاصة لدى بومدين٠   فشلت محاولة الانقلاب التي قام بها قائد هيئة الأركان الطاهر الزبيري في 14 ديسمبر 1967، واُضطُّرَ علي يحيى عبد النور إلى أن يطوي صفحة حياتهِ « المؤسساتية ». كان في السابعة والأربعين حين بدأ دراسة الحقوق ليصبح محاميا٠ 

إنها أول انعطافة ستغير مصيره وكذلك، وإنْ بشكل بسيط، مصير البلاد، عندما تُطرح مسألة الديمقراطية في 1980 ٠ 

روح القيادة في المكافحة عن حقوق الإنسان

الرجل الذي التقيه لأول مرة في بهو الزيارات في سجن الحراش في جوان 1981، والذي يَأْسَرُكَ « بجلال الإنسانية الذي تشع من عينيه » (سي أحمد سميان)، قد تمرّس وتعلم الكثير٠  إنه يدرك أن حركة التاريخ بطيئة، وقد جعله ذلك لا يرهن المستقبل أبدا٠ 

الرجل الذي دخل في نزاع مع قيادة حزب الشعب الجزائري وحركة انتصار الحريات الديمقراطية في 1949، سيعود إلى جبهة التحرير الوطني منذ 1955 ٠  دب الخلاف بينه وبين حسين آيت أحمد في 1964، لكنه سيعمل معه مرة أخرى بعد أكتوبر 1988 لتحويل الانفتاح الديمقراطي إلى تغيير حقيقي. الرجل الذي عارض طويلا أحمد بن بلة سيعود ليصالحه وسيلعب دورا أساسيا في جعله جزء من المسار الذي انبثق عنه عقد روما (سانت إيجيديو) في جانفي 1995 ٠  هو الذي خاض الحرب التقليدية ثم حرب العصابات، كان يؤمن بالوساطة السياسية التي تحمل الوفاق والسلام٠  كان زعيما نقابيا بوعي اجتماعي وَقَّاد، يصطف تلقائيا مع الضعفاء والمُعْدَمِين٠  استُوزرَ فعرف كيف تفكر السلطة الاستبدادية٠ 

كان يحذوه أيضا على وجه الخصوص إحساس بالانتماء للإنسانية. ساعده في ذلك اهتمامه بفولتير ودراسته للقانون، وكانت نزعته الإنسانية العفوية تأخذ بيده وتقوده على ذلك الدرب٠  معركته من أجل الإنسان وحقوقه الأساسية ستسمو فوق كل معاركه الأخرى. مع بداية سنوات الثمانيات، كان علي يحيى عبد النور، المحامي الملتزم بالدفاع عن المعتقلين السياسيين، سابقا لعصره٠ 

في الناحية الأخرى من العالم، كانت الإدارة الأمريكية برئاسة كارتر، وقد تحررت من وحل المستنقع الفيتنامي، تشن هجوما مضادا على الستار السوفياتي الحديدي٠  الحقوق الأساسية للإنسان يمكنها أن تكون رهانا جيواستراتيجيا في أماكن أخرى من المعمورة وجرعة أوكسجين ضرورية لحياة المواطنة في ظل الأنظمة الاستبدادية لبلدان الجنوب٠   

مع تأسيس أول رابطة لحقوق الإنسان في 1985، كشف مشروع الدفاع عن حقوق الإنسان في الجزائر، والذي حمله أيضا فاعلون آخرون يتطلعون للتغيير، كشف فجأة سوأة نظام الشاذلي٠  ليس هذا فحسب، بل اتضح أن هذا المشروع هو عتبة تتشاركها قوى سياسية عديدة. لقد جسّد علي يحيى عبد النور فعليا من خلال تجربته التقاء هذه الرؤى المشتركة، فكان طبيعيا أن يكون إمامها٠ 

يمكن لقدَره الجديد أن يُكتب الآن. سيسير على هدي قاعدة صارمة واحدة : « الإنسانية »٠  للجميع الحق في الاستظلال بمظلة حقوق القانون٠ 

تواق إلى الإنسانية أنشأ سلطة مضادة

كان يمكن لرجل تجاوز الستين يخوض معركة ثوبها هو ثوب الحداثة في جزائر الحزب الواحد، أن يتفكك ويتلاشى تحت الضغط في وقت يُقبلُ فيه أترابه على تقاعدهم٠  من سجن البرواقية، إلى محكمة أمن الدولة بالمدية (1985)، إلى الاقامة الجبرية في ورقلة (1987)٠  ورغم الاعتقالات والإدانات والمنفى القسري سيبقى ذلك الشاب الذي اختار طريق النضال الوطني بدايةَ ماي 1945 جاهزا للتضحية بحياته من أجل القضية إذا استدعى الأمر ذلك٠ 

لن يأتي هذه المرة أي أمر مضاد،  لذلك سيكون من الضروري خَطُّ طريق النضال تلو النضال٠  المنعطف الدراماتيكي للحرب الأهلية جعله يتجاوز المهمة « الكلاسيكية » لرابطة حقوق إنسان، ليستخدم رصيده ونفوذه لدى كل الفاعلين السياسيين في البلاد، ولدى من ظلوا طلقاء من أعضاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ، لإيجاد مخرج سياسي من فوق ينهي التمرد الإسلامي المسلح.  سيعقد مؤتمر سانت إيجيديو (جانفي 1995) ويَصْدُرُ النداء من أجل السلم في الجزائر (نوفمبر 1996)، وسيكون هذا العمل الأكثر جدلا وجرأة كذلك في مسيرته٠  بعد مضي عشرين عاما، ستدرك المعارضة السياسية، بكل تنوعاتها، معنى هذا الالتزام الجبار عندما تدعوه لإلقاء كلمة في 11 جوان 2014 في بداية أشغال المؤتمر التاريخي في فندق مازافران٠ 

البصمة الهائلة التي تركها علي يحيى عبد النور كانت هالة مُبْهِرَة أنارت مقبرة بن عكنون يوم الاثنين 26 أفريل 2021  ٠ 

صفق له الجمع الغفير، وزغردت النساء لحظة مرور جثمانه، وأقر الإسلاميون على رؤوس الأشهاد باستقامته، وشيّعه الأمازيغ بالأهازيج، وبكاه رفاق الدرب والسلاح٠ 

حاول النظام، المستشرس في انتهاك الحقوق، ولم يستطع أن يفتك لنفسه مكانا في عالمية تلك اللحظة٠ 

هل كان سَيُسْمَحُ لعلي يحيى عبد النور لو كان حيًا يُرْزَقُ بأن يحظى بمثل هذا الجَوِّ المهيب؟ 

توسد الرجل ذو المئة عام الثرى وانضم الى زوجته الراحلة، عَشِّيَةَ مساء جَمَّلتْهُ سماء ربيعية٠ إنه الآن غني بيقينه عن كل هذه التقلبات٠ 

إنه العاقل الحكيم المصمم الذي لا يلين، الذي اجترح عبر قرنٍ من الزمن سلطة مضادةً

في الجزائر،  « سلطة مقدسة اسمها حقوق الإنسان » ٠

Auteur