خالد عبد السلام ل"راديو أم": الجدال يساعد على تكسير الطابوهات لكنه يهدد بتكسير العقول كذلك - Radio M

Radio M

خالد عبد السلام ل »راديو أم »: الجدال يساعد على تكسير الطابوهات لكنه يهدد بتكسير العقول كذلك

أجرى الحوار: محمد إ | 27/10/22 08:10

خالد عبد السلام ل »راديو أم »: الجدال يساعد على تكسير الطابوهات لكنه يهدد بتكسير العقول كذلك

الدكتور خالد عبد السلام، أستاذ علم النفس وعلوم التربية والأرطفونيا بجامعة سطيف2. يشرح في هذا الحوار مع « راديو أم » كيف يمكن للجدل الدائر في وسائل التواصل الاجتماعي إلى وسيلة لبلورة أفكار جديدة وتكسير طابوهات تقيد المجتمع. لكنها في نفس الوقت وسيلة ل »التشويش على العقول وتكسير القلوب » على حد تعبيره

غالبا ما نشاهد جدلا واسعا في وسائل التواصل الاجتماعي حول مواضيع أحيانا جدية وأحيانا أخرى هامشية. لم تعود هذه الظاهرة برايكم؟

في ظل غياب حرية التعبير في وسائل الاعلام العمومية والخاصة وفي ظل سيطرة منطق الدعاية على حساب المعلومة أو الخبر الصحيح والنقاش الموضوعي في هذه المؤسسات الرسمية، أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي بمثابة الاعلام البديل الذي يلجأ اليه جميع الناس لكونه فضاء مفتوح ومتاح للجميع. فأصبحت بمرور الزمن مصدرا للمعلومات والاخبار الوطنية والدولية الموثوقة أكثر من غيرها، ذلك ان المواطنين أنفسهم هم صانعي الاخبار والمعلومات (فكل واحد يملك كاميرا، جريدة، قناة سمعية بصرية في جيبه أو في بيته). وفي نفس الوقت هي وسائل تسمح للجميع بالتعبير عن آرائهم، أفكارهم وقناعاتهم بكل حرية دون قيد ولا شرط. لأنها تتيح له فرص التخفي لهوياتهم الحقيقية بأسماء مستعارة. لذلك من الطبيعي أن يجدوا فيها متنفسا للتعبير بكل حرية وجرأة في كل المواضيع بما فيها تلك التي تعتبر طابوهات في المجتمع مادامت هويته غير معروفة ولا أحد يعرفه فيؤنبه إذا ما تطاول او أخطاء أو خرج عن المألوف .

فالنقاشات حول المواضيع الجدية، تعتبر ظاهرة صحية في المجتمع لأنها تُنضج الأفكار وتعلم الناس الحوار والجدال بالأفكار والحجج والبراهين العلمية والمنطقية.

  لكن ما ينقص الجزائريون في الجدال هو ثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر. حيث أظهر الكثير من الجزائريين في وسائل الاعلام العمومي والخاص وحتى في شبكات التواصل الاجتماعي ضعفا كبيرا في تحكمهم في تقنيات الاتصال، التي تستلزم عموما الانصات للمتكلم، وعدم مقاطعته حتى يكمل فكرته، وتقبل وجهة نظره، ونقد أو مناقشة أفكاره ورؤيته مع احترام كرامته. بينما خطاب الجزائريين ونقاشاتهم مبنية على الاندفاعية، رفع الصوت بدل رفع مستوى الأفكار، التهجم على الشخص وعلى كرامته باتهامه بالخيانة أو العمالة أو الفسق أو الكفر او أنه بوق لأيادي أجنبية وغيرها إذا تعلق الامر بقضايا لها علاقة بالخيارات السياسية او الأيديولوجية او الدينية والثقافية، فهي كلها مؤشرات لظاهرة مرضية في عملية الاتصال (أزمة الاتصال) نفسها والتي تنجم هي الأخرى عن عدة أسباب أخطرها، التعصب بكل أشكاله الأيديولوجية، السياسية، الثقافية، اللغوية والدينية وحتى القبلية والجهوية. والذي انتج ولاءات متزمتة لكيانات، جماعات، الأحزاب أو ايديولوجيات، أو للقبيلة أو الدشرة والجهوية، جعلت كل فئة مجتمعية تعتقد في نفسها أنها دائما على صواب وتملك الحقيقة المطلقة والبقية دائما على خطأ او على ظلال.   

   يضاف إلى ذلك عمليات غسيل الدماغ التي تعرض لها الجزائريون عن طريق وسائل الاعلام العمومي والخاصة وعن طريق الخطابات السياسية الشعبوية والديماغوجية فجعلت الكثيرين يفكرون بطريقة نمطية داخل قوالب جاهزة يعتقدون أن كل من يفكر بطريقة أخرى مختلفة أو خارج هذه القوالب المألوفة فهو إما خائن، عدو للوطن تحركه الأيادي الأجنبية، او عدو للدين، او عدو للوطن). فهذا النوع من التفكير له علاقة أيضا بسيكولوجية الانسان المقهور الذي يرى يخاف من المجهول ويرى التغيير والتجديد كتهديد لوجوده.        

  بينما الاسترسال في المواضيع الهامشية او التافهة في أحيان أخرى إما يكشف عن طبيعة الاهتمامات لدى أصحابها ومستواهم الفكري، وإما قد يشير إلى وجود محترفين في الهاء الناس بمواضيع هامشية على حساب المواضيع الجادة والمفيدة لترقية الوعي المجتمعي. وفي كلا الحالتين تعبران عن سهولة العدوى الفكرية بين الجماهير العريضة بالإشاعة والدعاية أوقات الازمات والظروف العصبية أين تستثار عواطف الناس وتغيب عقولهم وتفكيرهم المنطقي من أجل تيسير انقيادهم وراء المواضيع البسيطة والتافهة التي لا تتطلب جهدا فكريا ولا ذكاء كبيرا والتي تدخل ضمن استراتيجيات التحكم في الشعوب التي تحدث عنها نعوم تشومسكي مثل استراتيجية الالهاء، والتحريف

بما أن شبكات التواصل الاجتماعي تمنح الفرصة للتعبير لكل الشرائح الاجتماعية. هل ظاهرة الجدل هذه تساعدكم كباحثين على فهم توجه الرأي العام الوطني أو فهم أي حقائق اجتماعية أخرى؟

ان تحليل محتوى الخطاب، النقاش والجدال في مختلف شبكات التواصل الاجتماعي، مفيد جدا للباحثين لفهم طريقة تفكير الجماهير واتجاهاته العامة نحو مختلف القضايا الجادة، المصيرية وحتى القضايا التافهة، وعن طريق البحث العلمي يمكن المساهمة في تقديم الحلول والعلاج المناسب لكل الاتجاهات المرضية او السلبية في المجتمع ليس بالطرق القانونية والردعية بل بالطرق التربوية والبيداغوجية والثافية المناسبة. فلقد أنجزت عدة دراسات حول تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في التغير القيمي والسلوكي للناس ومازالت تحتاج الى عدة دراسات أكثر عمقا. وتكمن أهميتها في أن أفكار الناس وآرائهم تصدر في سياقات وظروف طبيعية وواقعية بطريقة عفوية وبكل حرية دون أي قيود او توجيه مسبق، كما هو الحال في أدوات البحث العلمي من خلال الاستبيانات والمقابلات وغيرها، التي قد يصطنع المبحوثون في اجاباتهم.

كثيرا منا ينسب أي جدل في فيسبوك أو وسائط أخرى ليد السلطة التي تسعى لصرف النظر عن المواضيع التي تحتاج إلى نقاش، اجتماعي واسع. ما رأيكم؟

  إن فرضية وجود جهات في السلطة تعمل على تحريف النقاش العمومية حول القضايا المصيرية قائمة ليس في الجزائر بل في كل دول العالم، خاصة أوقات الازمات السياسية او عند وجود قرارات مصيرية حولها صراعات داخلية كبيرة، كثيرا ما تصنع أحداث هامشية لإلهاء الشعب بها حتى لا ينخرط فيها ولا تعطى له فرصة لفهم ما يدور حوله من أمور تخص قضايا استراتيجية تتعلق بمستقبل البلد او بالحريات والعدالة الاجتماعية وغيرها، وتسمى استراتيجيات الهاء الشعوب كما أشرنا سابقا. وكثيرا ما تلجأ الأنظمة السياسية الى صناعة العدو الوهمي مثلا، او اثارة زوبعة اعلامية حول تصريحات استفزازية مقصودة لبعض الشخصيات السياسية، او تثار قضايا خلافات تاريخية او اتهامات متبادلة بين شخصيات تاريخية، او تصطنع ندرة بعض المواد الاستهلاكية، او تثار جزئية في برنامج دراسي كما حدث مع قضية البسملة في الكتاب المدرسي للتربية الاسلامية لتجعل منها حديث العام والخاص مع تشحين اعلامي ممنهج والتي مرت علينا جميعها خلال العشرين سنة الماضية.  

  لكن في المقابل ليست دائما كذلك، أحيانا قد يفتعل او يفبرك او ينشر بعض الناس المحترفين او المؤثرين في شبكات التواصل الاجتماعي بعض القضايا، قد يكون خبر، معلومة، او قصة عن طريق منشور او فيديو أو صورة فتتحول الى رأي عام وطني او دولي. فتصبح محل اهتمام غالبية الناس علما ان طريقة انتشار المعلومات في مثل هذه الشبكات الالكترونية يتميز بالسرعة عبر مجموعات متعددة قد يتقاسمه الملايين في دقيقة واحدة، عب هواتفهم النقالة حيثما وجدوا. عكس وسائل الاعلام التقليدية.  

الجدل إذن وسيلة من الوسائل التي تسمح بتكسير الطابوهات سواء الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية. أليس كذلك؟

يمكن ان تكون شبكات التواصل الاجتماعي وسائل لتكسير الطابوهات الاجتماعية والسياسية والثقافية إذا كان النقاش بناء وايجابي ومؤطر وهادف عن طريق منتديات أو ملتقيات أو مجموعات محترفة تعمل على بلورة أفكار المتدخلين بهويات معروفة وبمقاماتها العلمية والفكرية في إطار مشروع نهضوي يسعى الى تطوير المجتمع والرقى به فكريا ليتعلم تقنيات الحوار المسؤول والهادف والبناء، وتقنيات النقد والجدال بالحسنى وترسيخ ثقافة تقبل الاختلاف والتنوع بهدف تفكيك تحصينات التعصب لدي مختلف شرائحه.

  أما الجدال بهذه الطريقة الفوضوية حيث أسماء الأشخاص مجهولة ولا يعرف حتى مصدرها وطبيعة مهمة وادوار الكثير منهم أين يسود حوار الطرشان بتبادل السب والشتم والاتهامات والتجريح والتنابز بالألقاب والأسماء والجهوية او خطابات الكراهية، فلا يكسر الطابوهات انما يكسر القلوب ويهيج الاعصاب، ويشوش على العقول فهم غاية الجدال البيزنطي نفسه.

   لذلك من الاحسن العمل على تأطير هذه الشبكات من قبل نخبة المجتمع لتوجيه النقاش والجدال إلى القضايا الجدية والمهمة،  وبطرق محترفة تكرس قواعد الاتصال والتواصل، تنشر الوعي المجتمعي وتؤسس لقيم الاختلاف والتنوع مع الاحترام المتبادل في ظل ثقافة ديمقراطية تؤسس لدولة العدل والقانون.

ما هو الدور الذي لعبه غلق الفضاءات السياسية والاعلامية في تصعيد الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي؟        

غياب الحريات الإعلامية والسياسية كثيرا ما يؤدي الى تعزيز عدم الثقة بين الحاكم والمحكوم عبر كل مراحل التاريخ. وكثير ما يٌنتج التعصب والتطرف المؤديان الى تهديد السلم الاجتماعي.  لذلك أعتقد ان غلق الفضاءات الإعلامية والسياسية الرسمية، مع رداءة أدائها وسيطرة منطق الدعاية على حساب منطق الخدمة العمومية لتنوير الرأي العام واشراكه في قضايا التنمية المستدامة، جعل الاعلام العمومي والخاص يفقدان مصداقيتهما واحترافيهما،  وهو الأمر الذي دفع بشرائح عريضة من المجتمع إلى هجره والاستغناء عنه واللجوء الى الاعلام البديل الذي يحقق لها اشباعا للكثير من حاجاته النفسية،(كالحاجة الى التعبير بكل حرية من خلال إبداء رأيه في الشأن العام الذي حرم منه في الوسائل العمومية، الحاجة الى تأكيد الذات عن طريق فرص وجوده وافكاره والمساهمة في النقاشات المطروحة، والحاجة إلى تقدير الذات واحترامها من خلال شعوره بالإنجاز عندما يناقش ويجادل فيجد من يٌعجب، أو ٌيحب، يتفاعل ويٌقاسم منشوراته، أفكاره آراءه فيشكره أو يثني عليه أو يدافع عنه او يدعو له. فهي حاجات نفسية أساسية في استراتيجيات تعزيز روح الانتماء للمجتمع والوطن نظرا للأدوار الإيجابية التي يعتقد ان أفراد المجتمع يقدمونها لمجتمعهم لو وفتر لهم مساحات التعبير في الاعلام العمومي والخاص كما هي في شبكات التواصل الاجتماعي لكن بشكل أكثر احترافية واكثر تنظيم وتأطير.

  لذلك أحسن طريقة لمحاربة التعصب والتطرف والانحراف الفكري والسلوكي في أي مجتمع هو تعزيز حرية التعبير والتفكير والجدال بالحسنى والمسؤولية والموضوعية والاحترافية في المؤسسات الإعلامية العمومية والخاصة الرسمية، لان ذلك يدرب الناس بمرور الزمن وبتراكم الخبرات على تعلم قواعد الحوار، الاحترام، وقبول الاختلاف، وبالتالي التأسي لمجتمع ديمقراطي ينبذ العنف، خطاب الكراهية والتعصب والاقصاء للآخر، إذا أردنا فعلا مستقبلا زاهرا لمجتمعنا وبلدنا.