احزاب الكوطات بين المكابرة، المراوغة ومسؤولياتها في اجهاض التغيير المنشود؟ (تحليل) - Radio M

احزاب الكوطات بين المكابرة، المراوغة ومسؤولياتها في اجهاض التغيير المنشود؟ (تحليل)

Info Radio M | 18/06/21 14:06

احزاب الكوطات بين المكابرة، المراوغة ومسؤولياتها في اجهاض التغيير المنشود؟ (تحليل)

إعداد: أ.د خالد عبد السلام: قسم علم النفس وعلوم التربية والآرطفونيا جامعة محمد لمين دباغين سطيف2

     مازالت احزاب الكوطات التي تنخرط في كل المهرجانات الانتخابية للدعاية الديمقراطية، تتوهم دائما ان خياراتها صحيحة. وكل مرة تقدم نفس المبررات والتفسيرات لإقناع نفسها وأتباعها بأنها على الطريق الصحيح، وأنها أكثر حرصا على مصلحة الوطن بتبنىها للخيارات الدستورية واعتمادها لاستراتيجية التغيير من الداخل.

   ولا تريد الاعتراف ولو لمرة واحدة بفشلها وفشل حساباتها، خياراتها وضعف خطاباتها السياسية في اقناع الناس. كما أنها لا تعترف بمسؤولياتها في تعميق ازمة الثقة الشعبية، وفي تأسيس مؤسسات ضعيفة من حيث الشرعية الشعبية، لا سيما البرلمان الذي لا يملك الصلاحيات الدستورية التي تمكنه من ممارسة صلاحياته في التشريع، الرقابة والمحاسبة للمسؤولين والمؤسسات.

   فإذا كانت تدعي أنها تريد التغيير من الداخل، فإن التجارب تفضحها بأنها هي التي أصبحت تتغير في قناعاتها وتتنازل عن مبادئها وتتبنى معايير المصالح الشخصية والحزبية وتفكر بنفس المنطق الذي تعتمده السلطة. بل أظهرت أنها لا تستطيع العيش خارج دواليب السلطة، بل هي جزء منها كحصان طروادة الضامن لديمومتها.

   أما بالنسبة لادعائها بتبني للخيارات الدستورية، اعتقد من خلال تراكم الاحداث التي مرت عليها الجزائر في العشرين سنة الأخيرة تظهر بأن ظاهرة تجاوز الدستور في الجزائر مسلم بها كما يقول الأستاذ رابح لونيسي من جامعة هران لمجلة الأندبندنت عربية ليوم الأربعاء 5 جوان 2019″ حينما قال أن:  » مسألة تجاوز الدستور في الجزائر ظاهرة معروفة خصوصا في فترة بوتفليقة وبتواطؤ الجميع الذين كانوا معه في السلطة…وأن المادة 103 من الدستور لا تمدد لبن صالح عند انعدام مترشحين للانتخابات الرئاسية  » لكن الجميع كان يدعي انه خيار دستوري.  فهذه الأحزاب كل مرة تظهر انها أسيرة السلطة وخياراتها بل كثيرا ما تبررها وتدافع عنها وليس لها فيها أي رأي آخر ….بدليل انها تستعمل نفس لغة السلطة القائمة من خلال التهجم، التخويف، الشيطنة والتخوين لكل من يتبني قناعات وخيارات لا سيما المنادين بالمقاطعة والخيارات التشاركية عبر مرحلة انتقالية من مختلف نخب الشعب المنخرط في الحراك الشعبي الوطني المبارك.

   والغريب في الامر أن هذه الاحزاب التي تبشر الناس في كل مناسبة انتخابية بالضمانات التي تتلقاها من المسؤولين حول النزاهة، الشفافية وحرية الاختيار، وبعدها مباشرة نجدها أول من يشتكي من التزوير والتجاوزات والادعاءات بسرقة أصوات منتخبيها وغيرها من الاتهامات بلا خجل من نفسها، محاولة في ذلك تصوير نفسها كضحية لاستعطاف جماهيرها ومؤيديها. علما أنها كل مرة يصرح مسؤوليها في مختلف وسائل الاعلام بتعاملها بمنطق الكوطات في كل الانتخابات وتتفاوض حولها مع اصحاب القرار وهنا أشير إلى (تصريحات أحد قيادي حركة البناء في حصة Radio M 5/5 خلال الأسبوع الماضي). وبالتالي فهي تتعمد الطلاق جرعات الدوبامين الفكري لتخدير عقول اتباعها لاقناعهم بالخيارات التي تتبناها.

    ومن خلال ذلك نستنتج ان فهذه الاحزاب تقر ضمنيا بمسؤوليتها في منع التغيير الذي خرج من اجله غالبية الجزائريين عبر حراكهم المبارك في 22 فيفري 2019 الى يومنا الحالي. ومسؤولياتها في اجهاض التحول الديمقراطي الحقيقي الذي يطمح اليه الشعب الجزائري عبر نضالاته المتنوعة بقبولها ان تكون واجهة لديكور ديمقراطي مزيف….

    كما تؤكد ضمنيا بمسؤوليتها في اطالة عمر المنظومة السياسية التي اوصلت الوطن الى كل هذا الفساد، الانسداد، وبذلك تؤكد تورطها في تشكيل مؤسسات بلا شرعية شعبية، ومسؤولياتها فيما يحدث من قمع وظلم ضد الشعب المسالم بسكوتها وصمتها في غالبية الاحيان، أو بمحاولاتها تبرير ما يحدث من تجاوزات في مجال الحريات وحقوق الانسان.

   وبذلك فهي شريكة في تعطيل الحلول السياسة الشاملة لكل الازمات التي تعصف بالوطن منذ عقود لا سيما ازمة الشرعية والثقة الشعبية والازمة الاقتصادية المعقدة وأزمة الفساد الذي ساد كل المؤسسات والهيئات.

   وبعد هذه المقاربة التشريحية لسيكولوجية عقول هذه الأحزاب من خلال تفكيك طريقة تفكيرها نصل الى استخلاص أهم الميكانيزمات النفسية الدفاعية التي تستعملها في خطاباتها السياسية لمغالطة اتباعها والرأي العام والتهرب من تحمل المسؤولية وتجنب الاعتراف بأخطائها المتكررة حتى لا تنكشف ولاءاتها وتبعيتها لنافذين في السلطة وهي كما يأتي:

1ـ الميكانيزمات الهجومية: كالتهجم والشيطنة على الحراكيين وشيطنتهم واتهامهم بالخيانة والعمالة بسبب مقاطعتهم للانتخابات ومحولة تحميلهم مسؤولية الخيبات المتكررة, وهي في ذلك تتجنب استعمال الميكانيزمات الدفاعية لتبرير فشلها وخيبة أملها، واخفاقها قصد اخفاء ضعفها وضعف مصداقيتها الشعبية لتوحي لمتابعيها وبعض مناصريها انها على حق من خلال القول ان كل الانتخابات التشريعية، الرئاسية او الاستفتاءات على الدساتير في العالم لا يوجد اقبال شعبي كبير عليها. فهي بذلك تستعمل مغالطات منطقية خطيرة في الاقناع، حيث تلجأ الى ذكر بعض النماذج السلبية، او تطبيق اعدة إذا عمت خفت. وتتجنب ذكر نماذج عالمية إيجابية تشهد اقبالا كبيرا على الانتخابات الرئاسية أو التشريعية كالنموذج الامريكية، او البريطاني او التركي وغيرها.

2ـ ميكانيزم الانكار للحقائق الواقعية الميدانية : كالإنكار لحقيقة الارادة الشعبية في التغيير عبر حراكه السلمي بالتقليل من حجمه ووزنه السياسي ومن قدرته على التأثير، او بمحاولة ايهام الناس أنه تسيطر عليه ايديولوجيات او عرقيات معينة متخفية وراء مفاهيم مضللة تندرج ضمن المغالطات المنطقية مثل  » الحراك الأصلي والحراك الدخيل » تارة، (رغم ان كل الانتخابات فصلت وبينت بشكل واضح من هو الحراك الأصيل ومن هو الحراك الدخيل). يضاف الى ذلك انكارها لفشلها ولضعف رؤيتها وفهمها للشعب ولسوء تقديرها لقوة وحجم الإرادة الشعبية في التغيير. وهذا الميكانيزم يجعل هذه الاحزاب تتوهم وتوهم أتباعها بأنها على حق وخياراتها تخدم مصلحة الوطن وغيرها دائما على باطل وضد مصالح الوطن. 

3ـ ميكانيزم الاسقاط : حيث تدعي هذه الأحزاب أن الذين يقاطعون الانتخابات ويرفضونها انما يريدون برلمانا بالتعيين ويخافون من صوت الشعب وغيرها من الادعاءات. في حين كل الوقائع والمؤشرات تظهر انها تطبق ميكانيزم الاسقاط لما في تفكيرها على غيرها. حيث هي من نالت حصصا برلمانية في المجلس الانتقالي خلال العشرية السوداء. كما انها هي من يدافع ضمنيا عن ديمقراطية الواجهة بتأسيسها لثقافة الزبائنية والتفاوض على الكوطات في الهيئات التشريعية وقبولها بالتزوير والتحايل على الارادة الشعبية. وهي التي كانت ومازالت تغالط الشعب بخطابات تطمينية ودعائية حول التحول الديمقراطي والشفافية، النزاهة وحرية الاختيار في كل المناسبات الانتخابية.

4 ـ ميكانيزم قلب الحقائق: فهي تدعي انها تدافع عن مؤسسات الدولة والمحافظة عليها، الا أنها كل مرة تظهر بأنها هي من يساهم في اضعاف مؤسسات الدولة وتشكيل هيئات ومؤسسات فاقدة للشرعية الشعبية وفاقدة للصلاحيات التي تكرس السيادة والرقابة الشعبية، من خلال قبولها بديمقراطية الواجهة والعمل بنظام الكوطات والاحجام السياسية المسبقة، وبقبولها لمهرجانات ومسرحيات انتخابيةتسيء لها وللوطن وتجعلها محل ابتزاز ومساومة دولية نتيجة لذلك..

   كما انها تدعي الدفاع عن الوطن، لكن الوقائع الميدانية تفضحها كل مرة بأنها تدافع عن بقاء نفس المنظومة السياسية التي أوصلت البلد الى هذا الانسداد، ومن ثمة فهي تدافع عن مصالحها وعن نفوذها في مؤسسات الدولة على حساب انقاذ الوطن والحفاظ على تماسكه وامنه القومي. ومن خلال ذلك فهي شريكة في منع التغيير الذي يحمي الدولة ومؤسساتها من كل اشكال الفساد ومن كل الاخطار والتحديات ……

5ـ ميكانيزم المكابرة والتعالي على الشعب : فهي لم تخف يوما تبنيها لنفس النظرة التي تتبناها السلطة عبر وسائل اعلامها ومن خلال نشرة الثامنة، من خلال تعاملها مع الشعب كغاشي وغير واعي يمكن قيادته والتلاعب به كالقطيع، أو يمكن دغدغة عواطفه ومشاعره متى أرادت وكيفما شاءت. وفي نفس الوقت فهي تكابر على الشعب من خلال محاولاتها اليائسة في تبرئة نفسها من مسؤولية كل الازمات والخيبات ومحاولتها تحميل الشعب مسؤولية ذلك، تطبيقا لبعض استراتيجيات التحكم في الشعوب التي اشار اليها نعوم تشومسكي لا سيما: استراتيجية مخاطبة العامة كأنهم اطفال واستراتيجية تحويل التمرد إلى شعور ذاتي بالذنب (من خلال شيطنة الحراك واتهام منتسبيه بكل النعوت والاوصاف اتي قد تجعل البعض يشعر بأنه مذنب من حقه الدستوري في التعبير عن رغبته في التغيير),,,, وغيرها.

   الا أن الاحداث والوقائع خلال سنوات الحراك الوطني تظهر انها لم تنجح في الهاء الشعب واستغبائه، حيث رغم القمع الممارس ضد المواطنين الراغبين في التغيير بالطرق السلمية، ورغم منع الرأي الاخر في كل وسائل الاعلام العمومية والخاصة، ورغم الاتهامات، الدعايات والفبركات الاعلامية والشيطنة لإضعاف ثقة الناس في مصداقية الحراك الوطني المبارك، من خلال محاولات التضليل بمفهوم « الحراك الأصيل والحراك الدخيل » أو بالادعاء أن الحراك انتهى مع الانتخابات الرئاسية رغم لمقاطعة الشعبية لواسعة لها (وكأنهم نصبوا انفسهم اوصياء على الشعب او ممثلين له لتحديد له متى يبدأ ومتى ينتهي)، وأيضا رغم منع كل التظاهرات، التجمعات، النشاطات المعبرة عن الرأي الاخر الا انها فشلت في اقناع الشعب وفي تغيير قناعاته في التغيير الجذري.

6ـ ميكانيزم المراوغة واللعب على التناقضات : فقد ساهمت هذه الأحزاب بشكل واضح في استعمال المراوغة واللعب على المتناقضات من خلال قول الشيء وضده في نفس الوقت، والتي تبلورت في بعض الانتقادات المحتشمة للسلطة القائمة وفي نفس الوقت تتبني خياراتها، سياساتها وتعمل على تبرير قراراتها ومواقفها وتدافع عنها بدعوى الدفاع عن الدولة متعمدة الخلط بين مفهوم السلطة والدولة. كما فعلت في كل البرلمانات السابقة بتقديم انتقادات لبرامج كل الحكومات ثم المصادقة الجماعية عليه دون تعديل ولا تغيير. كما تمارس التناقضات والمراوغة عند سكوتها عن موضوع الحريات والقمع وغلق الاعلام عن الرأي الاخر وعدم استقلالية العدالة، وفي نفس الوقت نجدها تحاول استعطاف ومغازلة الشعب عن طريق ترديد بعض شعاراته او ببعض المفردات والخطابات العاطفية الدينية او التاريخية او الوطنية المعبرة عن الحرية والكرامة، وخلال ذلك وفي نفس السياق تجدها تتهجم على فئات من الشعب او جهة من الوطن، محاولة في ذلك  تطبيق سياسة فرق تسد بين مكونات الشعب عن طريق، التشكيك، الشيطنة، التخوين أو بالهائه بصراعات وهمية، ايديولوجية دينية، لغوية وثقافية او جهوية وعرقية او تاريخية….

     فنقول لهذه الأحزاب شتان بين بناء دولة قوية بشرعية شعبية وبين بناء دولة ضعيفة بمؤسسات مطعون في شرعيتها بتزكية دولية.. وشتان بين المطالبة ببناء دولة المؤسسات وبين الدفاع عن دولة الأشخاص والعٌصب. وشتان بين من يطالب ببناء دولة القانون وبين من يدافع دولة تسير بالأمزجة والنزوات التسلطية. وشتان بين من يعمل على كسب وتعزيز ثقة الشعب في مؤسساته وهيئاته من خلال الدفاع عن الخيارات التشاركية والتوافية التي تنتج عن حوار جاد بين كل الجزائريين دون اقصاء ولا تهميش لاي طرف، وبين من يدافع عن خيار واحد اوحد يفرض بالقوة والقمع يعمق ازمة الثقة ويضعف مؤسسات الدولة، ويساهم في زرع الاحباط واليأس في الشعب لدفعه الى الهروب والهجرة السرية والعلنية من خلال ممارسات تمس كرامته وحريته تضعف لديه مشاعر الانتماء للوطن.

   فهل ستعيد هذه الاحزاب قراءتها للوقائع الميدانية وتراجع حساباتها ورهاناتها لتنخرط في التغيير الذي ينشده غالبية الجزائريين، أم أنها لا تملك حرية الاختيار فيما تقوم به؟

نعتقد انه من مصلحتها الاستراتيجية:

1ـ الاعتراف بأخطائها لتكريس تقاليد جديدة في اخلاقيات الممارسة السياسية.

2ـ الاعتذار لمنخرطيها، اتباعها وللشعب عامة عن التضليل الذي كانت تمارسه منذ عقود عبر تصريحاتها، ومواقفها وعن الوعود الكاذبة التي كانت تطلقها في كل مناسبة انتخابية، والتي كانت تخدر بها عقول الناس.

3ـ التوقف عن خطاب التهجم، الكراهية، الشيطنة والدعايات المغرضة ضد منطقة جزائرية (ذنبها الوحيد أنها تناضل من اجل دولة ديمقرطية قوية بشرعية شعبية بعدالة مستقلة تضمن الحريات والحقوق لكل الجزائريين وتحرر الوطن من كل الوصايات الداخلية والاجنبية) كمادة دعائية وانتخابية لإلهاء الناس عن موضوع الحريات بهدف استعطاف وتضليل بقية المناطق في الوطن حتى تٌسلم بخياراتها وتسير وراءها دون تفكير ولا تمحيص لحيلها وألاعيبها السياسية. وهنا استحضر العبارات التي كان يتداولها بعض السياسيين ومناضليهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي قبل كل الانتخابات الرئاسية و قبل الاستفتاء على الدستور مثل:( « انتخب زكارة في القبائل « !! ) فهي عبارات تستهدف استغباء وتخدير عقول بعض الناس بنزعة عنصرية اقصائية لتبنى طروحات صانعي هذه العبارات. رغم ان اغلبية الجزائريين فهموا هذه اللعبة وفضحوا نوايا أصحابها بأنهم يطبقون سياسة  » فرق تسد » بين الجزائريين لعزل المنطقة عن وجدان الجزائريين وهو ما عبروا عنه خلال مسيرات كل يوم الثلاثاء والجمعة عبر شعارات مثل:  » Les Algériens خاوة خاوة  » وشعار: « لا علماني ولا إسلامي » قبايلي عربي شاوي مزابي ترقي كلنا جزائريين هدفنا التغيير لبناء الجزائر. بل شاهم الكثير من الشباب من مختلف مناط الوطن في فضح والتشهير بمثل هذه السلوكات العنصري والجهوية المشبوهة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

4 ـ العمل على تغيير طريقة تفكيرها وتعديل نظرتها اتجاه الشعب لعلها تستدرك وتفهم بأنه لم يبق ذلك الشعب في الثمانينيات والتسعينيات قبل الثورة الالكترونية الذي يمكن التلاعب به كما تشاء. أو انه ذلك الشعب الغبي الذي لا يفهم في السياسة شيء ولا يدرك الرهانات والاخطار وبالتالي يمكن تضليله والتحايل عليه بعبارات وألفاظ مخزية او مستفزة.

   فعلى هذه الاحزاب ان تدرك ان الشعب الجزائري منذ حراكه الوطني المبارك ومن خلال المسيرات الشعبية عبر كامل التراب الوطني قد اكتسب وعيا وطنيا لم يسبق وأن تعلمه لا في المدرسة ولا في مؤسسات التنشئة الاجتماعية. وهو وعي تجاوز الوعي السياسي لتلك الأحزاب. فقد تعلم معنى الوطنية وفهم معنى المواطنة وأصبح يدرك معنى الحرية والكرامة، الحقوق، العدالة، ومعنى استقلال الوطن ومعنى الوصايات الأجنبية ومعنى الولاء والإخلاص للوطن وشعبه. وأصبح يدرك ان قوة الوطن في تماسكه ووحدته، وأصبح يدرك ان الشرعية والثقة الشعبية هي الرهان الاستراتيجي لبناء دولة قوية دون أي وصاية اجنبية. وأن مصلحة الوطن ليس في منطق الاقصاء والاستئصال بافتعال صراعات وهمية لتفريق مكونات الشعب عرقيا، لغويا وثقافيا أو أيديولوجيا وسياسيا او جغرافيا وجهويا، بل تكمن في تعزيز ثقافة التعايش والتعاون بين كل الجزائريين والاحتكام الى القانون وإلى حرية الاختيار للمسؤولين عبر انتخابات حرة ونزيهة وليس الى القوة او الاستبداد والظلم …

ـ كما نعتقد انه من مصلحة هذه الاحزاب أن تتحرر من القوالب الفكرية الجاهزة التي تصنعها لها السلطة عبر وسائلها الإعلامية حتى جعلت أسيرة داخلها، لا سيما قوالب: » الآيادي الأجنبية في تفسير كل حراك او مظاهرة او حركية مجتمعية تريد التغيير، وقالب الجهوية، العنصرية، الاقصاء، الشيطنة، الجهوية، الاستخفاف بالشعب، الاستخفاف برغبة الشعب في التغيير، التقليل من الإرادة الشعبية او تجاهلها وغيرها ».

 وكذلك أن تتحرر من قالب العدو الوهي في كل المناسبات الانتخابية لاسيما قالب: » الجزائر المهددة، الجزائر التي تتربص بها الايادي الاجنبية  » وقالب الجزائر أحسن دولة وأحسن منظومة صحية او تعليمية « … وغيرها من العبارات التي تتكرر في كل المناسبات من قبل كل المسؤولين ويرددها مسؤولي أحزاب الكوطات منذ عقود من الزمن. ذلك انها قوالب مستهلكة وفاقدة للمفعول النفسي لدى الجماهير ولا تعني شيئا في الوعي الجمعي خاصة بعد حراك 22 فيفري 2019 بدليل انها حولها الشباب الحراكي الى نكت ومسخرة عبر شبكات التواصل الاجتماعي للترويح عن النفس.

   فعندما تعترف هذه الاحزاب بأخطائها وبفشلها في كسب قلوب الجزائريين وتعتذر لمنخرطيها وللشعب عامة يمكن لها الانخراط في مشروع التغيير الحقيقي الذي ينشده الشعب لإنقاذ الوطن وجمع شمل كل الجزائريين لتحصينه من كل الاخطار والتحديات، وهو أولى من انقاذ الأشخاص او الأحزاب او العصب، لان انقاذ الوطن يعني انقاذ الجميع.

    وعندما تدرك أيضا ان الاعلام الرسمي والخاص قد فقد مصداقيته ومكانته في الوعي الجماهيري نتيجة فقدانه لأخلاقيات المهنية للممارسة الصحفية بعدما تحول من أداة لخدمة الشعب وتنميته وأصبح أداة للحرب للدعاية والنفسية ضد الشعب، عندها ستفهم لماذا لا يمر خطابها وخطاب السلطة نفسها عبر هذه الوسائل، ولماذا هجر غالبية الجزائريين كل تلك الوسائل الإعلامية؟ ولماذا لا تباع الجرائد كما كانت من قبل؟ ولماذا لا يثق غالبية الجزائريين فيها وفيما تقدمه من اخبار ومعلومات حتى ولو كانت صحيحة؟ وعندها قد تفهم لماذا أصبح غالبية الجزائريين يتابعون الاعلام الشعبي الموازي عبر شبكات التواصل الاجتماعي الذي فرض نفسه كمرجع ومصدر رئيسي لكل المعلومات والتحليلات والقراءات للواقع السياسي الجزائري.

     وعندها أيضا قد تتعلم الدروس وتعترف هي الأخرى لماذا أفرغت خطاباتها الشعبوية والفتنوية من محتواها من قبل الشباب الجزائري عبر شبكات التواصل الاجتماعي وحولوها الى نكت، مسرحيات وسكاتشات للتسلية والترويح عن النفس كآلية نفسية وفنية للتعبير عن استهجانهم ورفضهم لها. بعدما بينت عن غياب خطاب جدي صريح جامع، يتضمن أفكارا   وحلولا تنقذ الوطن عبر كسب وتعزيز ثقة الشعب. لان الشعب هو الركن الأساسي في مفهوم الدولة وهو صمام امانها وثقته هي الرهان الاستراتيجي لتحقيق كل تنمية، تطور او تغيير يحقق اقلاعا حضاريا. فالجزائر لا تبن بالخيارات الأحادية التي تفرض بالقوة بل يبنيها الجميع بالتوافق، التشارك والتعاون وفق معايير الكفاءة، الجدارة، الاستحقاق والنزاهة والولاء للوطن وشعبه وليس بالولاءات للشرق او الغرب.. …….. إذا أدنا الخير للوطن ولغد أفضل لشعبه.

Auteur